sliderندوات ومحاضرات

العلامة مصطفى بنحمزة: الطب علمٌ له أصوله وخبراؤه، والرقية دعاء

احتضنت كلية الطب والصيدلة بفاس محاضرة علمية ألقاها العلامة مصطفى بنحمزة حول موضوع الطب في السيرة النبوية وأخلاقيات الممارسة الطبية، وذلك في إطار الأنشطة العلمية الرامية إلى تعزيز الحوار بين العلوم الطبية والمرجعيات القيمية والدينية، وإبراز البعد الإنساني في الممارسة الصحية.

وفي مستهل مداخلته، أكد مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي الجهوي بالشرق ، أن الاهتمام بالسيرة النبوية ليس مجرد اشتغال معرفي أو تاريخي، بل هو مدخل أساسي لفهم منظومة القيم التي أسسها الإسلام في مختلف مجالات الحياة، بما فيها المجال الصحي. وأشاد في هذا السياق بالمبادرات الأكاديمية التي تنفتح على دراسة الجوانب التطبيقية من السيرة النبوية، ومن بينها مبادرة كلية الطب بفاس، التي اعتبرها خطوة مهمة نحو ربط التكوين العلمي بالبعد الأخلاقي والروحي.

وتوقف المحاضر مطولاً عند حضور الطب في السيرة النبوية، موضحًا أن النبي محمد ﷺ لم يدعُ فقط إلى التداوي، بل أسّس لثقافة صحية قائمة على الأخذ بالأسباب العلمية، مستشهداً بحديثه الشريف: «تداووا فإن الله لم يجعل داء إلا جعل له دواء». واعتبر أن هذا التوجيه النبوي شكل تحولاً نوعياً في التعامل مع المرض، حيث تم الانتقال من الممارسات القائمة على الشعوذة والخرافة إلى تصور علمي يقوم على العلاج والتجربة والمعرفة.

كما شدد العلامة بنحمزة على ضرورة الفهم الصحيح للنصوص النبوية المتعلقة بالمرض والعدوى، محذراً من القراءات المجتزأة التي تؤدي إلى مفاهيم خاطئة، قد تنعكس سلباً على السلوك الصحي للأفراد والمجتمعات. وأشار إلى أن بعض التصورات غير العلمية حول المرض والعدوى ما زالت منتشرة، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال فترات الأوبئة، حين تم إنكار وجود العدوى أو التقليل من أهمية العلاج الطبي، مما تسبب في مخاطر صحية جسيمة.

وفي سياق حديثه عن الواقع التاريخي، أبرز أن المجتمع النبوي عرف ممارسات طبية متنوعة، وأن النساء والرجال أسهموا في رعاية الجرحى والمرضى، من بينهم رفيدة الأسلمية التي كانت تمارس التمريض داخل المسجد النبوي، مما يعكس وجود تنظيم بدائي للرعاية الصحية في المدينة المنورة. كما أشار إلى أن النبي ﷺ نفسه كان يتعامل مع العلاج والتداوي بشكل عملي، وأن بيته كان فضاءً للتجربة الطبية والاستفادة من الخبرات العلاجية المتداولة آنذاك.

وانتقل بنحمزة إلى البعد الفقهي، موضحًا أن ممارسة الطب في الإسلام تُعد في أصلها فرض كفاية، أي أنها مسؤولية جماعية على المجتمع، بحيث إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، لكنها قد تتحول إلى فرض عين إذا تعيّن الطبيب القادر ولم يوجد غيره. واعتبر أن هذا التصور يعكس المكانة الكبيرة لحفظ النفس في مقاصد الشريعة الإسلامية.

كما شدد بنحمزة على البعد الأخلاقي في مهنة الطب، مؤكداً أن الطبيب لا يقتصر دوره على التشخيص والعلاج، بل يتعداه إلى تقديم الدعم النفسي والإنساني للمريض. واعتبر أن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة للطبيب قد تشكل جزءًا من العلاج، لما لها من أثر في رفع معنويات المريض وتعزيز ثقته في الشفاء.

وفي ختام المحاضرة، دعا رئيس المجلس العلمي الجهوي بالشرق إلى تعزيز التكوين الطبي المسؤول، وربط المعرفة العلمية بالأخلاق المهنية، محذرًا من بعض الظواهر السلبية مثل اللجوء إلى الشعوذة أو رفض العلاج الطبي، أو هجرة الكفاءات دون مراعاة المسؤولية المجتمعية. كما أكد أن الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، وأن نجاح المنظومة الصحية يرتبط بمدى حضور القيم الأخلاقية والإنسانية في ممارستها.

واختتم اللقاء بالتأكيد على أهمية مثل هذه المبادرات العلمية التي تجمع بين أهل العلم والطب، وتفتح آفاقًا للتكامل بين المعرفة العلمية والبعد القيمي، بما يخدم الإنسان ويحفظ كرامته وصحته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى