
برحيل المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، يفقد الفكر الإنساني أحد أبرز رموزه خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فقد امتدت مسيرته الفكرية لأكثر من ثمانية عقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا ضخماً تجاوز حدود الفلسفة وعلم الاجتماع ليشمل قضايا الإنسان والحضارة والعولمة والتعليم والسياسة.
صوت نقدي في مواجهة التطرف والتشيؤ
ولد موران في باريس سنة 1921، وعايش التحولات الكبرى التي شهدها القرن الماضي، من صعود الفاشية والحرب العالمية الثانية إلى الأزمات المعاصرة المرتبطة بالعولمة والتكنولوجيا والبيئة. وقد شارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الأصوات النقدية الرافضة للأيديولوجيات المغلقة واليقينيات الفكرية.
ارتبط اسم موران بنظرية «الفكر المركب» أو «فلسفة التعقيد»، التي شكلت جوهر مشروعه الفكري الكبير «المنهج». وفي هذا العمل الضخم دعا إلى تجاوز التجزئة المعرفية التي تفصل بين العلوم والتخصصات، مؤكداً أن فهم العالم يقتضي النظر إلى العلاقات المتبادلة بين الظواهر الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية.
ولم يكن موران مجرد أكاديمي منعزل داخل الجامعات، بل كان مثقفاً منخرطاً في قضايا عصره، دافع عن الحوار بين الثقافات، وانتقد النزعات القومية المتطرفة، ونبّه إلى مخاطر التشيؤ والاستهلاك المفرط وهيمنة التقنية على الإنسان. كما ظل يدعو إلى بناء وعي إنساني عالمي قادر على مواجهة التحديات المشتركة للبشرية.
إشادة ملكية بمفكر أحب المغرب
وحظي المغرب بمكانة خاصة في حياة موران، لا سيما بعد زواجه سنة 2012 من صباح أبو السلام، الباحثة المغربية المتخصصة في علم الاجتماع الحضري، التي شكلت معه شراكة فكرية وأكاديمية متميزة. وخلال السنوات الأخيرة، كان يقضي فترات طويلة في مدينة Marrakesh، معبراً في أكثر من مناسبة عن إعجابه بالمغرب وتاريخه الحضاري.
وقد بعث الملك محمد السادس برقية تعزية إلى أسرة الراحل، أشاد فيها بمكانته الفكرية العالمية، واصفاً إياه بـ«الضمير الإنساني» الذي سيخلده التاريخ، ومذكراً بتعلقه العميق بالمغرب وإسهامه في نشر قيم الحوار والانفتاح والتعايش.
وقال جلالة الملك، في هذه البرقية، إنه تلقى بتأثر وحزن نبأ وفاة إدغار موران، القامة الشامخة في الفكر الكوني، وعالم الاجتماع والفيلسوف الذي جسد ضميرا إنسانيا سيخلده التاريخ، وصوتا فكريا بارزا يحمل نظرة مستنيرة وسخية تجاه تعقيدات العالم. ومما جاء في برقية جلالة الملك “لقد كان لإدغار موران تعلق عميق بالمغرب، حيث نسج فيه صداقات مخلصة. وكان يحب دائما التذكير بالجذور التاريخية للمغرب، مشيدا بحضارة عرفت كيف تحيي فكرة الـ’نحن’ في عالم تضعفه نزعات الانغلاق وأوهام إنكار الآخر”.
كما ذكر الملك بأن الراحل كان يتقاسم فكره بسخاء خلال اللقاءات التي نظمت في المغرب وفي غيره على مستوى المؤسسات الأكثر عراقة، مضيفا أن مكانته الفكرية وشخصيته الودودة تركتا بصمة واضحة لدى أجيال كاملة من المفكرين والطلبة.
وأكد الملك أن “كل الذين حظوا بشرف معرفته يكنون له تقديرا ومحبة خاصين، ولن ينسوه أبدا “.
إدغار موران.. المفكر الذي دافع عن الإنسان
عُرف موران بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية وبانتقاداته المتواصلة للسياسات القائمة على الإقصاء والعنف، وظل حتى سنواته الأخيرة حاضراً في النقاشات الفكرية والسياسية الكبرى، محافظاً على حضوره وتأثيره رغم تقدمه في السن.
برحيل إدغار موران، تخسر الإنسانية أحد آخر ممثلي جيل المفكرين الموسوعيين الذين سعوا إلى فهم العالم بوصفه كلاً مترابطاً، لا مجموعة من الأجزاء المنفصلة. غير أن أفكاره حول التعقيد والتداخل الحضاري وإصلاح الفكر ستظل حاضرة في الجامعات ومراكز البحث والنقاشات الفكرية حول العالم، شاهدة على مسيرة استثنائية كرّسها للدفاع عن الإنسان والعقل النقدي.
المصدر: مواقع إلكترونية



