الاحتفاء رسميًا بإدراج مخطوط “الأرجوزة في الطب” لابن طفيل في السجل الدولي لذاكرة العالم لليونسكو

شهدت مكتبة القرويين بمدينة فاس، يوم الثلاثاء 7 يوليوز 2026، حفلًا رسميًا لتسليم شهادة إدراج مخطوط “الأرجوزة في الطب” للفيلسوف والطبيب الأندلسي ابن طفيل في السجل الدولي لبرنامج “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وذلك بحضور مسؤولين مؤسساتيين وأكاديميين وشخصيات من مجالات الثقافة والتراث.
ويأتي هذا الإدراج اعترافًا بالقيمة العالمية الاستثنائية لهذا المخطوط، وبإسهامه البارز في إثراء التراث الوثائقي الإنساني، باعتباره أحد أبرز المؤلفات الطبية التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
ويُعد “الأرجوزة في الطب“ منظومة علمية في الطب صيغت على بحر الرجز، وهو أسلوب شعري اعتمد في التراث الإسلامي لتيسير حفظ العلوم ونقلها. ويقدم المخطوط وصفًا دقيقًا للأمراض المعروفة في عصره، وأعراضها وطرق علاجها، في قالب يجمع بين الدقة العلمية والأسلوب الأدبي.
ويقع المخطوط في 148 صفحة، ويضم نحو 7700 بيت شعري، ويشكل موسوعة طبية متكاملة تتألف من سبعة أبواب رئيسية، تتناول أمراض الرأس والوجه والحلق والصدر والجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي والأمعاء والبطن، وأمراض الكلى والمسالك البولية، والحمى بأنواعها، إضافة إلى الأمراض الخارجية وموضوعات السموم والتسمم.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس جامعة القرويين، أمل جلال، أن هذا الإدراج يمثل اعترافًا دوليًا بغنى الرصيد الوثائقي الذي تحتضنه مكتبة القرويين، ويجسد المكانة التاريخية التي تحتلها مدينة فاس باعتبارها إحدى أبرز حواضر العلم والإنتاج المعرفي.
وأوضح أن هذا التتويج يبرز إسهام جامعة القرويين في إشعاع العلوم، ولاسيما العلوم الطبية، كما يعكس الجهود المتواصلة التي بُذلت عبر القرون للحفاظ على تراث مخطوط ذي قيمة استثنائية. وأضاف أن هذا الاعتراف الدولي سيدعم برامج صيانة المخطوطات وترميمها ورقمنتها وتثمينها، بما يضمن حفظها وإتاحتها للباحثين والمتخصصين عبر العالم.
من جانبه، أكد المدير الإقليمي وممثل اليونسكو لدى بلدان المغرب العربي، شرف أحمديمد، أن إدراج هذا المخطوط في السجل الدولي لـ”ذاكرة العالم” يعد اعترافًا بإسهام المغرب في التراث الوثائقي العالمي، وبغنى تقاليده الفكرية وإسهامها في تاريخ الطب والعلوم.
وأشار إلى أن هذا التتويج لا يقتصر على الاعتراف بمخطوط استثنائي، بل يكرم أيضًا تقليدًا علميًا وفكريًا ترك أثرًا عميقًا في تاريخ الطب والفكر الإنساني، مبرزًا أن المخطوط المحفوظ بمكتبة القرويين يمثل شاهدًا على التميز العلمي للعالم الإسلامي في العصر الوسيط، ويعد موسوعة طبية متكاملة صيغت في قالب شعري لتسهيل نقل المعرفة.
وأضاف المسؤول الأممي أن هذا الإدراج يرفع إلى ثلاثة عدد العناصر المغربية المسجلة في السجل الدولي لبرنامج “ذاكرة العالم“، بما يعكس ثراء التراث الوثائقي الوطني والجهود التي يبذلها المغرب في مجال صونه ودراسته وتثمينه. كما ذكّر بأن البرنامج، الذي أطلقته اليونسكو سنة 1992، يضم اليوم 570 عنصرًا من مختلف أنحاء العالم.
بدوره، أبرز الكاتب العام بالنيابة للجنة الوطنية المغربية للتربية والعلوم والثقافة، كريم حميدوش، أن هذا الاعتراف الدولي يكرس القيمة العالمية الاستثنائية للمخطوط، ويؤكد الدور التاريخي الذي تضطلع به جامعة القرويين ومكتبتها، باعتبارهما من أقدم مؤسسات العلم في العالم، في حفظ التراث العلمي والثقافي ونقله عبر الأجيال.
وأكد أن هذا الإنجاز يعزز مسؤولية المؤسسات والباحثين في مجال جرد الكنوز الوثائقية الوطنية وصيانتها وتثمينها، كما يشجع على تقديم ترشيحات جديدة لتعزيز حضور التراث الوثائقي المغربي على الساحة الدولية.
من جهته، أوضح فؤاد مهدوي، عضو اللجنة المغربية لبرنامج “ذاكرة العالم“، أن هذا البرنامج يشكل إحدى أهم المبادرات الدولية الرامية إلى حماية التراث الوثائقي الإنساني من مخاطر التلف والاندثار، ويرتكز على ثلاثة محاور أساسية هي الحفظ، والإتاحة، والتثمين، مشيدًا بالنتائج التي حققها المغرب من خلال تسجيل ثلاثة مخطوطات ضمن السجل الدولي.
واختُتم الحفل، الذي حضره والي جهة فاس-مكناس عامل عمالة فاس خالد آيت الطالب، بزيارة لقاعة الوثائق ومختبر الترميم بمكتبة جامعة القرويين، حيث قدمت شروحات حول القيمة العلمية والتاريخية للمخطوطات التي تزخر بها هذه المؤسسة العريقة، وكذا التقنيات المعتمدة في ترميمها وصونها للأجيال المقبلة.



