sliderآراء

خزانة القرويين: معطيات إحصائية وقيم موضوعية في إعادة بناء التراث- بقلم محمد الريوش

د. محمد الريوش

طالما شكلت لي خزانة القرويين إلى جانب خزانة دار الحديث الحسينة أهم الأماكن التي شكلت شخصيتي العلمية بامتياز؛ وقد ترردت في الكتابة عن تجربتي مع هاتين المكتبتين كثيرا – وبالفعل كتب عن الأولى في عمل روائي قد يصدر قريبا – إلى لفت انتباهي مقال مشور على موقع ثوابت لأستاذي العلامة الدكتور سيدي عبد الحميد العلمي حول “خُروم خزانة القرويين والتحبيسات السلطانية”. وتعد المقالة بحق عملاً علمياً ينهض على رؤية منهجية دقيقة، ويعيد إلى الضوء جانباً خفيًّا من تاريخ الذاكرة المغربية والإسلامية. ولعل القيمة الكبرى لهذا المقال تكمن في أنه لا ينظر إلى “الخروم” باعتبارها بقايا مهملة أو أوراقاً سجينة أروقة المكتبات، وإنما بوصفها نصفاً مكملاً للبناء التراثي، وامتداداً حياً لجهود العلماء والنسّاخ والملوك الذين ساهموا في عمارة المعرفة عبر قرون طويلة.

يذكّرنا المقال بأن خزانة القرويين هي قلب نابض للهوية العلمية المغربية، ومركز إشعاعٍ احتضن تراثاً إسلامياً عريضاً. غير أنّ هذا الصرح مرّ بفترات عصيبة، تسرب فيها الإهمال فتدفقت الخروم إلى قبو النسيان، وتقاذفتها يد الإعارة غير المنضبطة، وعبث الحوادث الطبيعية من فيضانات وحرائق. يأتي المقال إذاً ليؤرّخ لرحلة طويلة من محاولات الاستدراك والإنقاذ، وصولاً إلى مشروع الجرد والتصنيف الذي كشف عن كنوزٍ غير متوقعة.

ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو الروح المنهجية التي سرت في عملية الجرد والتصنيف. ففي الأرقام الواردة إشارات إلى مضمرات معرفية عميقة: أكثر من 2830 ملفاً تضم تخصصاتٍ تمتد من الفقه والحديث إلى الفلسفة والطب والرياضيات. تُظهر نسب دقيقة طبيعة الحضور العلمي داخل الخزانة وتوازن العلوم فيها. يجعل نظام ترقيم وتعريف محكم التعامل مع هذا التراث أشبه بالتنقل داخل خريطة فكرية متكاملة.

لا يقف المقال عند حدود التصنيف، بل يغوص في المضامين، مقدّماً نماذج ذات قيمة فريدة:

  1. مصاحف القرن الثالث الهجري المكتوبة على رق الغزال بخط كوفي غير منقوط، وهي وثائق تستحق وحدها دراسات معمّقة في تاريخ الكتاب القرآني.
  2. موطآت وشروح تحمل آثار التحبيسات السلطانية، شاهدة على رعاية الملوك للعلم وخدمة النصوص الكبرى.
  3. وثائق نفسية تكشف جانباً إدارياً واجتماعياً من تاريخ الخزانة: نظام داخلي، سجلات إعارة، عقوبات تأديبية، تبادلات دولية… وكلها تحوِّل الخزانة إلى مجتمع صغير يعكس روح العصر.
  4. أوائل وأواخر المخطوطات التي تُنقذ كتباً كاملة وتعيد بناء نصوص مفقودة، وهو جهد يوازي الاكتشافات التراثية الكبرى.
  5. عناوين مخطوطات نادرة بعضها فريد، مثل “غريب الأحكام الشرعية”، و”حل الرموز”، و”الدرر اللوامع”، و”الجبر والمقابلة”، ومخطوطات في الطب والتشريح لجالينوس، وهو تنوّع يعكس مدى اتساع الأفق المعرفي للقرويين.

أحد أجمل أجزاء المقال هو استعراض نماذج تحبيسات الملوك العلويين، الذين أدركوا أنّ العلم عمود الملك وقوام العمران.

يتبدّى من خلال هذه الوقفيات أن ملوك المغرب  لم يكونوا مجرد حكّام وإنما كانوا حرّاساً للذاكرة، ومسهمين في تزويد الخزانة بأهم أمهات الكتب، من “فتح الباري” إلى “مفاتيح الغيب”، ومن “نفح الطيب” إلى “الشفا” و”إكمال المعلم”.

هذه التحبيسات تؤرخ لمرحلة كانت فيها السلطة السياسية تدرك تمام الإدراك أن قيمة الأمة في نصوصها، وأن حفظ الكتاب جزء من حفظ الدولة.

وفي الأخيريخرج القارئ من هذا المقال وهو يشعر أن ما يسمى “خُرُوماً” ليس في الحقيقة ثقوباً في جسد التراث، بل أبواباً على عالم صامت لم يُستمع إليه بعد. لقد نجح الدكتور عبد الحميد العلمي في تقديم عمل يجمع بين صرامة الباحث وحنين المؤرخ، وبين البعد التوثيقي والرؤية النقدية، فجاء مقاله بمثابة شهادة على أحد أعظم مشاريع إحياء التراث في المغرب.

إنّ هذه الخروم — وقد أميط عنها اللثام — لم تعد هوامش منسية، بل تحوّلت إلى لبنات رئيسية في صرح خزانة القرويين، وإلى دليل حي على أنّ الذاكرة قد تخبو… لكنها لا تموت.

الدكتور محمد الريوش

خريج جامعة القرويين دار الحديث الحسنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى