sliderندوات ومحاضرات

العلامة بنحمزة يحذّر من نزيف الكفاءات الطبية ويدعو إلى ترسيخ المسؤولية الشرعية والأخلاقية في الممارسة الطبية

انتقد العلامة مصطفى بنحمزة، في مداخلة قوية ضمن ندوة الهدي النبوي والطب المعاصر، نزيف الكفاءات الطبية نحو الخارج مباشرة بعد التخرج، مؤكدًا أن الطب، من حيث أصله، ليس مجرد مهنة مباحة، بل هو في كثير من أحواله فرض كفاية، وقد يصير فرض عين إذا تعيّن الطبيب لإنقاذ الأرواح ورعاية المرضى.

وأوضح، خلال كلمته الافتتاحية التي نظمتها لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس، بشراكة مع مؤسسات علمية، يوم الخميس 23 أبريل 2026، أن الفقه الإسلامي اعتبر وجود الطبيب، كما وجود المفتي، من ضرورات العمران، حتى قال الفقهاء إن الجهة لا ينبغي أن تخلو من طبيب كما لا ينبغي أن تخلو من مفتٍ، حتى لا تضيع الأمة في دينها ولا في أبدانها. وإذا لم يوجد إلا طبيب واحد حاذق قادر على العلاج، صار العلاج في حقه فرض عين، يأثم بتركه.

وفي هذا السياق، شدد بنحمزة على أن مسؤولية الطبيب ليست مهنية فحسب، بل هي مسؤولية شرعية وأخلاقية، لأن حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة، مستحضرا ما قرره العلماء من أن ترك إنقاذ الملهوف أو المحتاج مع القدرة على ذلك إثم، وهو ما ينسحب على ترك علاج المريض أو الامتناع عنه بدافع الربح أو الإهمال.

وانطلاقًا من هذا التصور، انتقد بنحمزة ما وصفه بـ”لهث بعض الأطباء وراء المكاسب”، معتبرا أنه من غير المقبول، أخلاقيا وشرعيا، أن يتلقى الطبيب تكوينه بإمكانات المجتمع ومؤسساته، ثم يغادر لخدمة من يملك المال دون أن يرد بعض الحق لأمته ومجتمعه.

وأكد أن الطبيب، بعد التخرج، مدعو إلى الوفاء بمسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع الذي ساهم في تكوينه، داعيا إلى قضاء سنوات في خدمة المواطنين قبل التفكير في الهجرة، لأن حق المواطن – كما قال – أن يجد بجانبه طبيبا يؤازره ويخفف آلامه.

وفي معرض حديثه عن هجرة الأطباء، تساءل عن أثر مغادرة المئات من الكفاءات الطبية على المنظومة الصحية، مشددًا على أن المجتمعات الفقيرة ذات الإمكانات المحدودة أولى بكفاءاتها، وأن استمرار هذا النزيف يهدد الحق في العلاج ويعمّق الخصاص الصحي، لاسيما في القرى والمناطق التي تفتقر إلى أطباء ومراكز صحية، معتبرا أن ترك جهات كاملة دون تغطية علاجية تقصير جماعي يرقى إلى مستوى المسؤولية الشرعية والمجتمعية.

واستحضر في هذا الباب بعض التصورات الفقهية التي تجعل المجتمع مسؤولًا عن آثار الإهمال، مبرزا أن التقصير في توفير الحماية والرعاية قد يكون ذنبًا جماعيًا، كما في قضايا القسامة التي حمّل فيها الفقه الجماعة تبعات التقصير، ليدلل على أن إهمال الحق في العلاج ليس مجرد خلل إداري، بل قضية أخلاقية وفقهية كذلك.

كما انتقد ما وصفه بـ”اللهث وراء المقابل المادي”، سواء لدى بعض الأطباء أو بعض الفقهاء الذين يتركون مجتمعاتهم طلبا للمكاسب، معتبرًا أن هذا السلوك يطرح إشكالًا قيميًا يحتاج إلى معالجة شرعية ومجتمعية.

وفي حديثه عن أخلاقيات المهنة، أبرز أن الطب ليس مجرد معرفة تقنية، بل رسالة تقوم على الرحمة والرفق، مستحضرًا الهدي النبوي في التعامل مع المريض، ومؤكدًا أن الطبيب ينبغي أن يكون رفيقًا قبل كل شيء، وأن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة قد تكون أحيانا جزءًا من العلاج نفسه.

كما شدد على أن الشهادة الطبية ليست مجرد تأهيل مهني، بل أمانة ومسؤولية، وأن ممارسة الطب لا تنفصل عن الضمير المهني والقيم الإنسانية، مؤكدا أن مستقبل الطب، كما مستقبل المجتمع، رهين بالجمع بين الكفاءة العلمية وروح المسؤولية والرفق بالناس.

ونوه بنحمزة بالمبادرة العلمية التي احتضنتها كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس، معتبرا أنها تعكس شجاعة في طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بأخلاقيات الطب ورسالة الطبيب، ومعربًا عن ثقته في الأجيال الجديدة من الأطباء وقدرتها على الإسهام في نهضة علمية وإنسانية متوازنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى