
يقدم الحوار الذي أجراه محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولى سليمان-المغرب، مع سعيد شبار، رؤية متكاملة لمشروعه الفكري القائم على مراجعة منظومة المفاهيم في الثقافة الإسلامية المعاصرة، من موقع لا يكتفي بالوعظ أو الإفتاء، ولكنه يشتغل على أسئلة المنهج وإعادة بناء المصطلح.
—
يكشف الحوار الذي أجراه الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولى سليمان-المغرب، مع الأستاذ الدكتور سعيد شبار، أحد أبرز الأصوات المغربية المعاصرة المتخصصة في قضايا التجديد والاجتهاد والحوار الديني والحضاري، عن جملة من الأسئلة الجوهرية حول أزمة المفهوم في الثقافة الإسلامية المعاصرة، من قضية المصطلح إلى الحرية، مرورًا بالتأويل والردة والعلاقة مع الآخر.
الحوار، المنشور ضمن سلسلة “حوارات علمية” على الموقع الرسمي للدكتور محمد الناصري، يقدم بدايةً صورة حية عن المسار الأكاديمي والفكري للدكتور سعيد شبار، هذا المسار المتوج بحصوله على دكتوراه الدولة حول “الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر” من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2000، وهو أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال منذ 1990، وقد شغل رئاسة المجلس العلمي المحلي لبني ملال بين 2009 و2023، قبل أن يتولى منصب الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب، كما أسس ويرأس مركز دراسات المعرفة والحضارة منذ 2004، وأشرف على أكثر من 150 أطروحة جامعية، وشارك في أكثر من 250 ندوة ومؤتمرًا وطنيًا ودوليًا، إلى جانب رصيد بحثي يفوق 120 دراسة منشورة في مجلات علمية محكّمة.
في جوابه عن “لماذا يهتم الدكتور شبار بالمصطلح؟” يقدم لمحة عن هوسه الفكري بقضية المفهوم، معتبرًا أن المفاهيم هي “مفاتيح العلوم”، وأن العلم واللغة والثقافة لا تعدو أن تكون مركّبات مفهومية، وأن الاختلاف بين المدارس الفكرية هو، في جوهره، اختلاف في بناء المنظومة المفهومية لا أكثر، ويذهب إلى أن القرآن الكريم، منذ نزوله، عُني عناية فائقة بإعادة صياغة المفاهيم المتداولة في الجاهلية، فأعاد بناء بعضها كليًا، وعدّل بعضها الآخر، وحافظ على طائفة ثالثة مع منحها أبعادًا ودلالات جديدة، ويستشهد بألفاظ كالصلاة والصوم والحج والكفر والفسق التي وسّع الإسلام مضامينها الشرعية عما كانت عليه قبل البعثة، ومن ثم فإن الاستعمال الإلهي للألفاظ ليس هو الاستعمال البشري نفسه، وإن اشتركا في الصياغة، لأن الأول ينتمي إلى المطلق المستوعِب للزمان والمكان، بينما الثاني نسبي يستوعبه الزمان والمكان.
ثم ينتقل الحوار إلى نقطة أكثر حساسية وهي هيمنة اصطلاحات المدارس والفرق والمذاهب على ثقافة المسلمين المتأخرة على حساب المعاني والدلالات الشرعية الأصلية، ويميّز الدكتور شبار بين بناء فكري يستند إلى الأصول الشرعية بوصفها أساسًا حقيقيًا للبناء، وبين بناء آخر -وهو الغالب في تقديره- يتخذ من تلك الأصول مجرد “شواهد” يُستدل بها على اختيارات فكرية سابقة التكوين، ويصف هذا الانزياح بأنه الفارق الجوهري بين عطاء المسلمين الحضاري في المجتمع الأول وعطائهم المتأخر، محذّرًا من أن مقررات التعليم الديني ما زالت تكرّس هذا الخلل حين تُقدّم اصطلاحًا مدرسيًا بعينه على أنه “المعنى الشرعي” الوحيد.
وفي سياق مرتبط بعملية استيعاب المفاهيم الدخيلة يستعرض الحوار أربعة نماذج فكرية اقترحها مفكرون عرب للتعامل مع هذه المفاهيم الوافدة على الثقافة الإسلامية: “تبيئة المفاهيم” عند محمد عابد الجابري، و”تقريب المفاهيم” عند طه عبد الرحمن، و”الدمج والتجاوز” عند طه جابر العلواني، و”الاستيعاب وإعادة البناء” عند برهان غليون، وهنا يرى الدكتور شبار أن الأمة تخوض في الواقع “معركتين تحريريتين” متوازيتين؛ الأولى تحرير ذاتي من الترسبات الفكرية المتكلّسة داخل الأنساق المغلقة ذات المنظور الواحدي، والثانية تحرير من هيمنة النماذج الوافدة الجاهزة، ويلفت إلى أن كلتا المعركتين تعانيان من الداء نفسه أي انسداد النسق والدوغمائية المتمركزة حول الذات سواء كانت هذه الذات محلية أو مستوردة.
ويخصص الحوار محورًا واسعًا لمفهوم الحرية، كأحد أكثر المفاهيم الفلسفية إشكالًا عبر التاريخ الإنساني. يتجاوز الدكتور شبار الجدل الكلامي القديم بين الجبرية والمعتزلة والأشاعرة حول أفعال الإنسان، مؤكدًا أن ثمة إرادة جعلها الله في الإنسان يختار بمقتضاها بين الكفر والإيمان، والخير والشر، بما ينسجم مع مقتضى التكليف، غير أنه يشدد على أن مفهوم الحرية في المنظور القرآني لا يشتغل منعزلًا فهو يرتبط بشبكة من المفاهيم المتكاملة، منها التوحيد والابتلاء والجزاء والمسؤولية والأمة والعدل.
أما في المنظور الغربي الليبرالي، فينظر الدكتور شبار إلى الحرية على أنها تحوّلت، بعد إقصاء المرجعية الدينية، إلى تحرر مطلق من كل قيد، وهو ما يُرجعه إلى ظهور أشكال متعددة من الممارسات الشاذة عن الفطرة الإنسانية، سواء على المستوى الفردي أو الأسري أو في التجارب العلمية كالاستنساخ والتعديل الجيني، وصولًا إلى العدوان على الطبيعة والشعوب، ومع ذلك، فإنه ينبّه إلى أن حركات النقد الذاتي لهذا التوجه موجودة داخل الغرب نفسه، وأن ثمة نقاط التقاء ممكنة بين الثقافة الإسلامية وهذه الحركات النقدية حول الدفاع عن كرامة الإنسان.
وفي محور دقيق يتعلق بحرية الاعتقاد، يستشهد الدكتور شبار بآيتي “لا إكراه في الدين” و”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” لتأكيد أن الإسلام يكفل حرية الاعتقاد ديانةً وممارسةً ودعوةً، مع صيانة حقوق الأقليات وأهل الذمة، أما بخصوص السؤال الأكثر إلحاحًا حول حد الردة، وما إذا كان يتعارض مع مبدأ “لا إكراه في الدين”، فيذهب الدكتور شبار -مستندًا إلى دراسة طه جابر العلواني- إلى أن الردة الواردة في الأحاديث النبوية، وأشهرها حديث “من بدّل دينه فاقتلوه”، هي ردة سياسية مقترنة بالخيانة في سياق حربي كان يفتقر فيه المسلمون الأوائل إلى دار آمنة غير المدينة، وليست ردة فكرية أو عقدية بالمعنى المجرد، ويستدل بورود صيغة “مفارق للجماعة” في أحاديث أخرى، معتبرًا أن قراءة النصوص منفصلة عن سياقها هي أصل كثير من سوء الفهم في هذه المسألة.
وبالنظر إلى تعدد محاور الحوار فقد شكّل التأويل أحد أكثر المحاور كثافة، حيث يُقرّ الدكتور شبار بأن هذا المفهوم كانت له تداعيات خطيرة على مستوى التعامل مع النص القرآني والسنة النبوية، وأسهم في تعدد المدارس والفرق، ويميّز بين “خلاف محمود” يدور تحت سقف الوحدة والأصول الجامعة ويسمح به النص نفسه، و”خلاف مذموم” لا ناظم له حيث يتحول تأويل النصوص إلى أداة لحمل النص على ما بُني خارجه، فتصبح النصوص شواهد على اختيارات فكرية سابقة بدل أن تكون هي الشاهدة، واصفاً هذا الانحراف بأنه المسؤول عن انزلاق بعض الجماعات نحو التفسيق والتكفير بل والاقتتال، وفي المقابل، يحذّر أيضًا من تيار آخر يجعل من التأويل “مطية للتحرر” من النصوص مستوردًا أدوات القراءة الهرمنيوطيقية الغربية التي نشأت أصلًا في سياق مختلف تمامًا هو مواجهة النص اللاهوتي الكنسي، معتبرًا أن هذا الإسقاط يفتقر لكثير من الشروط العلمية والمنهجية، ولا يستثني من هذا الحكم سوى محاولة محمد عابد الجابري التي يصفها بأنها مختلفة عن بقية دعاوى هذا التيار مرجعًا ومنهجًا.
وحول ضوابط التأويل وشروط المفسّر -التي أحصاها السيوطي في “الإتقان” في خمسة عشر علمًا- يرى الدكتور شبار أن هذه الشروط ضرورية بقدر ما تكون مساعدة على تحصيل العلم دون أن تتحول إلى “نهايات” مغلقة، مشيراً إلى أن المبالغة التاريخية في تكثير الشروط، حتى غدت شبه مستحيلة التحصيل، دفعت علماء كالغزالي والشاطبي إلى الدعوة لتخفيفها أو الاكتفاء بالضروري منها، ليخلص إلى أن حماية النص القرآني ليست مرهونة بكثرة الشروط لأن النص محفوظ بحفظ الله له، وأن القراءة فيه تتفاوت مستويات بين المبتدئ والراسخ في العلم، لكن الحاجة قائمة إلى إطار عام لممارسة التأويل يتجاوز الاقتصار على شروط المفسّر الفرد وحده.
يتطرق الحوار كذلك إلى إشكالية العلاقة بين إطلاق النص القرآني ونسبية التفسير البشري له، وهنا يؤكد الدكتور شبار أن القرآن، بوصفه خطابًا موجهًا لكل العصور والأمكنة، مطلق لا اختلاف في ألفاظه، في حين أن التفسير جهد بشري نسبي بطبيعته، لأن الإنسان محكوم بحدود زمانه ومكانه، معتبراً هذا التعدد التفسيري دليلًا على غنى فكري مشروع أقرّه الشرع نفسه، لكنه يحذّر من خلط خطير يقع فيه بعض التيارات المادية والعلمانية حين تحاول تحويل المطلق إلى نسبي بدعوى التطور، كما يحذّر في المقابل من تيارات دينية تحاول مماهاة اجتهادها البشري النسبي مع الدين المطلق، وهو ما يفضي -في تقديره- إلى الغلو والتشدد، ويذكّر بأن كل جيل من أجيال الأمة إنما يحصّل اجتهادًا في الدين لا الدين نفسه، وأن المطلوب هو استئناف الاجتهاد جيلًا بعد جيل لا العيش عالة على كسب الأجيال السابقة.
الحوار، الذي أدار مجرياته الدكتور محمد الناصري، يختم بمحور حول علاقة المسلمين بغيرهم، عبر مفاهيم التعارف والتعايش والتسامح والاختلاف، حيث يعرض الدكتور شبار لـ”فقه السنن” -ومنها سنة التعارف-، وأن الأخير ضامر بشكل كبير في الثقافة الإسلامية المعاصرة، وأن أغلب التفاسير اختزلت مفهوم التعارف في دائرة ضيقة هي الأنساب وتبادل المنفعة متجاهلة أبعاده الأوسع في تبادل الخبرات والقيم والأفكار، معتبراً أن التنصيص القرآني على التعارف كان “ثورة قيمية كبرى” في مواجهة منظومات الاستبداد والاستعباد التي كانت سائدة قبل الإسلام، منتقداً في المقابل خطاب “العولمة” الغربي الذي يرفع شعارات الحوار والتعارف بينما تمارس المركزيات الغربية -على حد تعبيره مستشهدًا بإدوارد سعيد- هيمنة تجعل الغرب مركزًا وبقية الثقافات هوامش تدور في فلكه، مؤكدًا أن النموذج الإسلامي، رغم قصور أهله أحيانًا في تقديمه، يحمل استعدادًا حضاريًا أوسع لتجسيد تعدد ثقافي حقيقي.
خلاصة القول، فإن الحوار مع الدكتور سعيد شبار يقدم رؤية متكاملة لمشروعه الفكري القائم على مراجعة منظومة المفاهيم في الثقافة الإسلامية المعاصرة، من موقع لا يكتفي بالوعظ أو الإفتاء، ولكنه يشتغل على أسئلة المنهج وإعادة بناء المصطلح، وتبرز عبر محاوره العشرة قناعة مركزية يكرّرها المحاور في صيغ مختلفة؛ أن أزمة الفكر الإسلامي المعاصر هي، في جوهرها، أزمة مفاهيم قبل أن تكون أزمة نصوص، وأن استعادة المعنى الشرعي الأصيل للألفاظ -بعيدًا عن هيمنة اصطلاحات المدارس والفرق من جهة، والانبهار بالمفاهيم الوافدة من جهة أخرى- هو المدخل الحقيقي لتجديد الفكر الإسلامي ومواكبته للتحديات الكونية المعاصرة.
أحمد المهداوي



