
تمثل الدبلوماسية الدينية رافعة أساسية لحل التوترات الدولية والإقليمية، عبر تقديم مقاربة أكثر إنسانية وأكثر استهدافاً من الردود المؤسساتية التقليدية. إنها تتخطى كونها مجرد رد فعل على الأزمات الراهنة، لتصبح محفزاً حقيقياً للسلام، والتعاون، والتنمية المستدامة.
الدبلوماسية الدينية المغربية: تعزيز السلام ودرع غير مادي ضد التطرف
تؤكد الدبلوماسية الدينية مكانتها، يوماً بعد يوم، كشكل من أشكال الدبلوماسية غير الرسمية، ولكنها تحظى باعتراف صريح بشرعيتها من قِبل الدول والمؤسسات الدولية. ومن خلال تعبئة القيم الروحية والشخصيات المؤثرة، فإنها تؤدي دوراً حيوياً في الوساطة لحل النزاعات، وتعزيز السلام، وتوطيد الحوار بين الثقافات. وبفضل مقاربتها الإنسانية، فإنها تُكمل الجهود الدبلوماسية الرسمية، مستجيبةً للحاجة إلى التماسك في سياقات تطبعها التوترات والأزمات، مما جعلها فاعلاً لا غنى عنه في العلاقات الدولية المعاصرة.
وتتجلى أهمية الدبلوماسية الدينية بوضوح أكبر في عصر لا تزال فيه الأديان، والمؤسسات التي تجسدها، تؤدي دوراً مركزياً في بناء الهويات الجماعية وصياغة القيم الأخلاقية والاجتماعية. وتمتلك السلطات الدينية، بصفتها قيادات كاريزمية ورمزية داخل مجتمعاتها، قدرة لا يستهان بها على تعزيز التفاهم المتبادل بين مجموعات غالباً ما تكون في حالة صراع. ويتجاوز هذا الدور مجرد الوساطة البسيطة، ليشمل تأثيراً مباشراً في تدبير الأزمات الاجتماعية والسياسية، من خلال مبادرات ملموسة لإقرار السلم، وإرساء الحوار، والتضامن مع الفئات الهشة.
وبهذا المعنى، تمثل الدبلوماسية الدينية رافعة أساسية لحل التوترات الدولية والإقليمية، عبر تقديم مقاربة أكثر إنسانية وأكثر استهدافاً من الردود المؤسساتية التقليدية. إنها تتخطى كونها مجرد رد فعل على الأزمات الراهنة، لتصبح محفزاً حقيقياً للسلام، والتعاون، والتنمية المستدامة.
أسس الدبلوماسية الدينية المغربية:
تُعد الدبلوماسية الدينية في المغرب أداة لتجميع الخبرات والممارسات والموروث الديني، فضلاً عن كونها ركيزة أساسية ووقائية لا غنى عنها في مواجهة منطق التطرف الديني بشتى نزعاته. وقد أدت الهجمات الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء عام 2003، إلى جانب تعقد البيئة الإقليمية والقارية، إلى بروز مقاربة براغماتية تقوم على تأمين المخاطر، وتجفيف المنابع التي تغذي نزعات الانزلاق نحو العنف.
وفي الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لحوار الثقافات والأديان المنعقد في فاس، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- أن: « انعقاد هذا المؤتمر بالمملكة المغربية يعد اعترافاً من المجتمع الدولي بالالتزام الموصول لبلدنا بحوار الثقافات والأديان، ونشر القيم التي يحملها. كما أنه تأكيد للدور الريادي الذي قام به المغرب، كعضو مؤسس لتحالف الحضارات، وهو المنظمة المعنية بتعبئة الفاعلين الوطنيين والدوليين حول السلام وحمل قيمه. وباحتضانها لهذه اللقاءات، تؤكد بلادنا عزمها على إطلاق دينامية جديدة كفيلة بفتح آفاق واعدة واقتراح وسائل مبتكرة لضمان احترام التعددية الثقافية والدينية، ولإرساء التزام جماعي لصالح قيم الحوار، والتع التعايش، واحترام الآخر ».
وقد حظيت جهود جلالته من أجل السلام بتقدير وإشادة دولية واسعة، حيث كان جلالته أول رئيس دولة يُدخل مفهوماً جديداً إلى معجم القانون الدولي العام، وهو مفهوم ” المنظومة الجديدة للسلم العالمي “، مؤكداً أن :«المنظومة الجديدة للسلم العالمي هي تلك التي نتطلع إلى إرسائها معاً، وتهيكلها حول مبادئ التعايش، وقبول التعدد والاختلاف. وبناءً على هذا الشرط، سيكون من الممكن مواصلة البناء، والتطور، وتوطيد الأمن، والنمو، والازدهار ».
وتستند هذه الإرادة الملكية النبيلة إلى نموذجية الإسلام المغربي القائم على ثنائية وتكامل يجمع بين واقع قانوني يمثله المذهب المالكي، وواقع روحي يمثله التصوف، وأبعاد عقائدية يجسدها المذهب الأشعري. وقد أوضح صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن: « هذا النموذج الفريد، المبني على إمارة المؤمنين والمذهب السني المالكي، هو ثمرة إصلاحات عميقة تروم تحصين المجتمع المغربي ضد المخاطر المرتبطة بالاستغلال الإيديولوجي للدين وضد التيارات الهدامة ».
ويُعد المغرب من بين دول المنطقة التي طورت استراتيجية متعددة الأبعاد لمكافحة الإرهاب، تدرج الوقاية من التطرف العنيف كأصل ثابت في استراتيجيتها الأمنية. ولتحقيق ذلك، تراهن الدولة على ضبط الحقل الديني وتدبيره، بدءاً من تكوين الأطر والكوادر وصولاً إلى إقامة الشعائر داخل المساجد، مع تعزيز المنظومة الأمنية التي تستهدف رصد خطابات العنف والتطرف الديني، سواء تجسدت في شكل خطابات أو انتقلت إلى مرحلة الفعل المادي.
ويكمن نجاح هذه الدبلوماسية في قدرتها على تقديم بديل موثوق ومستقر في مواجهة الإيديولوجيات الراديكالية. ومن خلال تصدير إسلامها الوسطي المعتدل، لا تقتصر المملكة المغربية على العمل الديني الصرف، بل تعمل على تأمين محيطها الإقليمي وتعزيز تحالفاتها السياسية والاقتصادية. وهي دبلوماسية لا تنفصل عن شخصية صاحب الجلالة الملك، أمير المؤمنين، الذي تسهل شرعيته الدينية كأحد سباط النبي قبول هذه القيادة الروحية خارج الحدود الوطنية.
الدبلوماسية الدينية المغربية في خدمة القضية الفلسطينية:
يتميز التزام صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس، بالدفاع عن القضية الفلسطينية بمقاربة متعددة الأبعاد. وبعيداً عن مجرد إعلانات المبادئ والشعارات، يترجم هذا الالتزام على أرض الواقع من خلال استراتيجية تجمع بين الدبلوماسية السياسية والمبادرات الاجتماعية الملموسة في الميدان.
العمل الدبلوماسي والسياسي:
يستثمر جلالة الملك الثقل الدبلوماسي للمغرب لإبقاء قضية القدس في صدارة الأجندة الدولية، من خلال الترافع المستمر والمستدام من أجل حل قائم على حدود عام 1967، وتكون بموجبه القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقلة. ولما كان للمملكة المغربية عقيدة ثابتة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، فقد وظفت دائماً الروافع الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع ونزع فتيل التوترات أثناء الأزمات المتكررة في باحة المسجد الأقصى، داعية إلى احترام الوضع القانوني والتاريخي للأماكن المقدسة.
وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بالبعد الدولي لـ ” نداء القدس ” الذي وقعه صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- في عام 2019، مع البابا فرنسيس، والذي يشكل وثيقة تاريخية تؤكد على ضرورة المحافظة على الطابع متعدد الأديان والهوية التعددية للمدينة المقدسة باعتبارها تراثاً مشتركاً للإنسانية.
وقد أكد محمد سالم الشرقاوي، المدير المكلف بتدبير وكالة بيت مال القدس الشريف، في كتابه « صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس: الأمانة المقدسة » الصادر عام 2024، أن المغرب تحت قيادة جلالة الملك، أمير المؤمنين، يظل متمسكاً بعمق بنشر قيم السلام والأمن العالمي. وأن هذا الموقف المبدئي يعزز نجاعة دور المملكة في مواجهة التحولات العالمية والتحديات التي يفرضها التطرف، والإرهاب، والأزمات العابرة للحدود، والحركات الانفصالية، والنزاعات الطائفية.
العمل الميداني: وكالة بيت مال القدس الشريف
تُعتبر الوكالة الذراع التنفيذية والعملياتية للجنة القدس. وتحت الإشراف المباشر والمستمر للعاهل المغربي، الذي يؤمن الجزء الأكبر من تمويلها، تنفذ الوكالة مشاريع ذات أثر اجتماعي ملموس لدعم صمود المقدسيين؛ لا سيما في مجال التعليم من خلال بناء المدارس وترميمها، وتقديم المنح الدراسية للشباب الفلسطيني لمحاربة الهدر المدرسـي. وفي مجال الصحة عبر تجهيز المستشفيات المحلية وتوفير وحدات طبية متنقلة. فضلاً عن قطاع السكن والمساعدة الاجتماعية من خلال برامج ترميم المباني التاريخية وتقديم المساعدات المباشرة للأسر المعوزة. وأخيراً، في مجال الثقافة والشباب عبر تنظيم مخيمات صيفية سنوية في المغرب لفائدة أطفال القدس، مما يساهم في تعزيز التبادل الثقافي والدعم النفسي لهم.
المساعدات الإنسانية الاستعجالية:
إلى جانب المشاريع الهيكلية، يأمر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بانتظام بإرسال وإرساء مساعدات عاجلة خلال الأزمات الإنسانية الكبرى، تشمل المستلزمات الطبية، والأغذية، والأغطية. وغالباً ما يتم نقلها عبر الطرق البرية وهو إنجاز لوجستي نادر واستثنائي لتصل مباشرة إلى الساكنة في غزة والقدس، بالإضافة إلى إقامة المستشفيات الميدانية التي تتيح النشر الدوري للمنشآت الطبية والجراحية التابعة للقوات المسلحة الملكية لعلاج الجرحى والمرضى بعين المكان.
صيانة الموروث والتراث:
يسهر صاحب الجلالة الملك محمد السادس أيضاً على ألا يطال أي تغيير الهوية المعمارية والروحية للمدينة المقدسة. ومن ثَمَّ، يولي جلالته عناية خاصة لترميم التراث عبر تمويل أعمال التجديد والصيانة داخل المسجد الأقصى المبارك وغيره من المعالم التاريخية، للتصدي لمحاولات طمس وتغيير الطابع الإسلامي والعربي للمدينة.
وفي المحصلة، يتحدد عمل صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- بـ ” دبلوماسية الفعل والمبادرة “. فالأمر لا يقتصر على مجرد المطالبة بالحقوق، بل يمتد إلى تزويد الفلسطينيين بالوسائل المادية والمعنوية للثبات والبقاء فوق أرضهم، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة من أجل سلام عادل ودائم.
النموذج الديني المغربي: استجابة استراتيجية لتصاعد عدم الاستقرار والإيديولوجيات الراديكالية في منطقة الساحل والصحراء:
تُعد الدبلوماسية الدينية المغربية في إفريقيا رافعة استراتيجية كبرى، يُشار إليها غالباً بـ ” القوة الناعمة الروحية “. وهي تستند إلى سلطة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بصفته أميراً للمؤمنين، وهو لقب تتجاوز شرعيته حدود المملكة ليمتد إشعاعه إلى جزء كبير من إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي الوقت الذي تجد فيه الاستراتيجيات العسكرية التقليدية صعوبة في كبح جماح التمدد الجهادي في الشريط الساحلي الصحراوي، تفرض حقيقة نفسها بقوة: لا تُحارب الإيديولوجيا بالرصاص، بل بفكرة أسمى وأقوى. وفي هذه ” الحرب على المعنى والقيم “، عرفت المملكة المغربية كيف تنشر سلاحاً فريداً، غير مرئي ولكنه عميق الأثر، ألا وهو: الأمن الروحي . ومن خلال الاستناد إلى الشرعية التاريخية لأمير المؤمنين، وإلى عقيدة الوسطية القائمة على المذهب المالكي، والتصوف الجنيدي، والعقيدة الأشعرية -مقدمةً بذلك الإسلام المغربي كنموذج للاعتدال والتسامح والتكيف مع السياقات المحلية الإفريقية- والاعتماد على شبكة ممتدة لقرون من الطرق والزوايا الصوفية، يبسط المغرب اليوم بنية دفاعية متينة وغير مادية. والواقع أنه في العصر الرقمي الذي يتنقل فيه التطرف عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتشتد فيه الاستقطابات الجيوسياسية، يمكن اعتبار هذه “القوة الناعمة” الدينية المغربية بمثابة الحصن الأخير ضد الانهيار الأمني في منطقة الساحل.
مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: حضور مؤسساتي شامل في قلب إفريقيا:
تُعتبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي أُحدثت بناءً على التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، هيئة تهدف إلى توحيد وتنسيق جهود العلماء المسلمين، في المغرب وباقي الدول الإفريقية، من أجل التعريف بقيم الإسلام السمح ونشرها وترسيخها.
وفي الخطاب الملكي السامي بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للمؤسسة، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- في هذا الشأن: « إنها مبادرة تترجم عمق الروابط الروحية التي جمعت دائماً شعوب إفريقيا جنوب الصحراء بملك المغرب، أمير المؤمنين، وهي شعوب تجمعنا بها وحدة العقيدة والمذهب، والموروث الحضاري المشترك ».
وقد حددت ديباجة الظهير الشريف المؤسس لهذه الهيئة دواعي هذا الإحداث، اعتداداً بالروابط الدينية والثقافية التي تجمع المملكة المغربية بالعديد من الدول الإفريقية، ورغبةً في حماية الدين من الانحرافات والتطرف، لتكون قيمه السمحة والمقدسة في خدمة الاستقرار والتنمية في هذه البلدان.
وقد أكد السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والرئيس المنتدب للمؤسسة، في 13 يوليو 2015 بالدار البيضاء، خلال حفل الإعلان عن إحداثها، أن ” مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ” مشروع يندرج في إطار الاستمرارية والتراكم التاريخي، وكذا الالتزام المتجدد بممارسة المسؤولية السامية الملقاة على عاتق العاهل المغربي لتعزيز العلاقات بين المملكة ودول إفريقيا، ولا سيما في شق حماية الملة والدين المرتبطة بإمارة المؤمنين. وأوضح أن من معالم هذا الالتزام خلال العقود الأخيرة: بناء المساجد في هذه الدول، الحضور المنتظم للعلماء الأفارقة في الدروس الحسنية الرمضانية المنيفة، إحداث رابطة علماء المغرب والسنغال، تأسيس معهد الدراسات الإفريقية، وتنظيم مؤتمرات حول الطرق الصوفية.
ومن جانبه، أكد الشيخ إبراهيم الصالح الحسيني، رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي بالنيجيريا، في كلمة ألقاها بذات المناسبة نيابة عن العلماء الأفارقة، أن هذه المبادرة الملكية جاءت استجابة موفقة وفي وقتها لانتظارات الدول الإفريقية، في وقت « نعيش فيه ساعات من الحزن والمعاناة بسبب تقلبات الدهر التي أصابت الأمة، والمتمثلة في الغلو والتطرف في الدين التي تعاني منها العديد من البلدان ».
ووعياً منها بالرهانات التي تفرضها السياقات الإقليمية والقارية والدولية، المطبوعة بالتحديات الأمنية والاجتماعية والروحية، تعمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة -التي تضم اليوم 48 فرعاً موزعة على مختلف البلدان الإفريقية- منذ تأسيسها على توحيد وتنسيق جهود علماء الإسلام في القارة الإفريقية للنهوض بقيم السلام والتسامح، والمساهمة في تنمية وإشعاع التراث الإسلامي الإفريقي المشترك.
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات: منارة لتكوين ” سفراء السلام “
يتعلق الأمر هنا بتناول شق عملياتي وتنفيذي بالغ الأهمية في الدبلوماسية الدينية المغربية، والمتمثل في تكوين رجال ونساء يحملون الرسالة الدينية في الميدان. وقد أُحدث ” معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات ” في 20 ماي 2014، وتم تدشينه في مارس 2015 من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله-. ويلحق المعهد بجامعة القرويين تحت السلطة المباشرة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.
ويتولى المعهد مهمة تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات في مجالات الإمامة والإرشاد الديني، لتمكينهم من اكتساب المناهج والمعارف التي تؤهلهم للقيام بالمهام المنوطة بهم.
ويُعد المعهد ركيزة أساسية في الاستراتيجية المغربية لتعزيز ” إسلام الوسطية والاعتدال ” القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، السائدين في المغرب وفي جزء كبير من إفريقيا وأوروبا. كما يهدف إلى الوقاية من التطرف عبر تزويد الطلبة بالآليات الفكرية والدينية لتفكيك الخطابات المتطرفة، فضلاً عن التوفيق بين تعاليم الدين ومستجدات العصر الحديث.
ويقع المعهد بالرباط، وله رسالة ذات بعد عالمي؛ إذ يستقبل طلبة مغاربة إلى جانب طلبة قادمين من دول إفريقية شقيقة مثل مالي، غينيا، ساحل العاج، السنغال، نيجيريا، وتشاد وغيرها، بالإضافة إلى طلبة من دول أوروبية، لاسيما من فرنسا، وذلك بموجب اتفاقيات ثنائية لتكوين أئمة قادرين على ممارسة مهامهم في السياق الأوروبي.
وتتجلى إحدى أبرز الابتكارات في النموذج المغربي في تكوين المرشدات ( النساء المرشدات الدينيّات ). وإذا كانت المرشدات لا يؤممن الصلاة ( وهو دور يقتصر على الأئمة الرجال )، فإنهن يؤدين دوراً حورياً في التربية، والتوجيه الروحي، والدعم الاجتماعي والأسري لفائدة النساء.
لقد تحول المعهد إلى أداة حقيقية لـ ” القوة الناعمة ” المغربية؛ ففي مواجهة تصاعد عدم الاستقرار في منطقة الساحل وتحديات الاندماج في أوروبا، تطلب دول عديدة الخبرة المغربية لتكوين كوادرها الدينية لضمان ممارسة دينية مستقرة وسلمية. إن المواد التكوينية المدرجة ( مثل علم النفس، التاريخ، والمواطنة ) والتي تتجاوز العلوم اللاهوتية الصرفة، جعلت من المعهد مختبراً حقيقياً لتفكيك الفكر المتطرف، محولةً الإمام إلى فاعل في منظومة “الأمن الإنساني”، قادراً على التدخل في الوساطة لحل النزاعات القبلية والوقاية من التطرف على المستوى المحلي. فالأمن لا يتحقق بالسلاح وحده، بل باكتساب العقول والقلوب.
دبلوماسية الطرق والزوايا ( التصوف ): قنوات للوساطة والاستقرار في مناطق النزاع
تتيح دبلوماسية الطرق والزوايا للمغرب تحويل الهوية الدينية المشتركة إلى أداة للتعاون السياسي والاستقرار الإقليمي، مما يجعل من المملكة فاعلاً لا غنى عنه في منظومة الأمن الروحي في إفريقيا. ويُعد هذا المنحى من أدق أبعاد القوة الناعمة المغربية وأكثرها فعاليتها، إذ يستند إلى روابط روحية ضاربة في عمق التاريخ تتجاوز الحدود السياسية، لا سيما نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
ويحافظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- على علاقات متميزة مع كبريات العائلات الدينية الإفريقية، مما يسهل مأمورية الوساطة والتفاهم المتبادل. وبذلك، لم يحد السير عن السُنّة الحميدة لأسلافه المنعمين الذين كانوا يحيطون العلماء وأقطاب التصوف بعناية فائقة.
وفي الرسالة الملكية السامية الموجهة في 14 ماي 2014 إلى المشاركين في الندوة الدولية الثالثة لمريدي وأتباع الطريقة التجانية بفاس، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، أن الاهتمام بالتصوف يرجع إلى: « هذه الخصوصية التي ميزت تاريخ المغرب، والمتمثلة في بيعة إمارة المؤمنين. فقد كانت هذه المؤسسة سنداً قوياً للإسلام السني المعتدل في مملكتنا، وهي تمثل للشعب المغربي حصناً للأمن، وواحة للسلام، وقطباً للالتقاء والتعايش. ولهذا السبب، ظل المغرب دائماً، في شمال غرب إفريقيا، قلعة حصينة ومنارة تهدي إلى سبل النجاة، وتنير الضمائر في كل أصقاع إفريقيا جنوب الصحراء، بتوجيه من ملوكه العظام وقيادة علمائه الأجلاء وصوفيته الأبرار، الذين جمعوا بين فقه الشريعة واستقامة الطريقة وطلب الحقيقة ».
وتندرج هذه السياسة الرشيدة، التي يقودها جلالة الملك بإيمان وعزم، في أفق وحدوي راسخ واستراتيجية طموحة تروم تفعيل دور التصوف في نشر الأمن الروحي وإشاعة قيم المحبة والوئام، بعيداً عن التعصب والكراهية.
علاوة على ذلك، تعترف الطرق الصوفية تاريخياً بالشرعية الروحية لجلالة الملك بوصفه سديلاً من الدوحة النبوية الشريفة، مما يرسخ بيعة روحية تمتد خارج الحوزة الترابية للمغرب. وبناءً على الأمانة العظمى لإمارة المؤمنين التي طوقه الله بها، ما فتئ جلالة الملك -أعزه الله- يحيط برعايته الموصولة الطرق الصوفية التي تسهر على ترسيخ القيم الأخلاقية المستمدة من السُنّة النبوية المطهرة. وتشمل هذه العناية الزوايا داخل المغرب وخارجه، لاسيما في الدول الإفريقية الشقيقة، بهدف أوحد وهو مساعدة هذه البلدان على تحقيق نهضتها وتنمية مؤهلاتها ونشر قيم التسامح والتعايش والوئام والتماسك بين مختلف مكوناتها.
وفي الختام، يمكن القول إن المغرب، من خلال دعمه للطرق الصوفية المحلية في إفريقيا، يساهم في الحفاظ على نسيج اجتماعي متين ومرن في مواجهة التهديدات الأمنية، نظراً لأن الروابط الروحية غالباً ما تُوظف لاستقرار المناطق التي تمر بالأزمات. وفي فترات التوتر السياسي في بعض دول الساحل، تشكل شبكات الطرق الصوفية قنوات غير رسمية للحوار والوساطة حيثما قد تخفق الدبلوماسية الكلاسيكية.
- بناء المساجد:
يندرج بناء المساجد من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- في إفريقيا ضمن هذه الاستراتيجية المتكاملة والمتعددة الأبعاد للقوة الناعمة الروحية للمغرب. وبعيداً عن كونها مجرد دور للعبادة، فإن هذه المساجد -التي تكون غالباً مرتبطة بمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة- تشكل ركائز لرؤية جيوسياسية وثقافية دقيقة تروم تحقيق الأهداف التالية:
- نشر إسلام الوسطية والاعتدال: عبر إشاعة النموذج الديني المغربي القائم على المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية والتصوف.
- مكافحة التطرف: إذ يقدم المغرب، من خلال تمويل هذه المعالم الروحية، بديلاً هيكلياً ومنظماً للإيديولوجيات الراديكالية (كالوهابية أو السلفية المتشددة) التي حاولت التغلغل في بعض مناطق الساحل أو غرب إفريقيا.
- ضمان الوحدة الروحية: عبر السهر على أن تدعو خطب الجمعة والإرشاد إلى قيم التسامح والسلام.
ولا تقتصر هذه المساجد على الجانب التعبدي فحسب، بل تمثل مجمعات إسلامية متكاملة تضم مكتبات ومراكز تعليمية وثقافية، تجسد الحضور الدائم والمستدام للمملكة.
الدبلوماسية الدينية للمملكة المغربية في أوروبا:
تشكل الدبلوماسية الدينية في أوروبا ركيزة أساسية أخرى من ركائز القوة الناعمة للمغرب. وتحت التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله-، تروم الاستراتيجية الدينية ترسيخ إسلام وسطى معتدل لتأطير الممارسة الدينية للمغاربة المقيمين بالخارج وتحصينهم ضد النزعات المتطرفة.
وقد عبر جلالة الملك عن هذه العناية الموصولة في خطابه السامي الموجه إلى الأمة بمناسبة الذكرى الـ63 لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2016، حيث قال جلالته: « إن العالم اليوم يتحدث بكثرة عن إشكالية الهجرة والمآسي الإنسانية التي يعانيها المهاجرون، وتزداد هذه الوضعية تفاقماً بسبب انتشار ظاهرة التطرف والإرهاب ومحاولة ربطها خطأً أو صواباً بالمهاجرين، خاصة في أوروبا. وفي هذا السياق، أدعو المغاربة المقيمين بالخارج إلى التشبث بقيم دينهم وبتاليدهم العريقة في مواجهة هذه الظاهرة الغريبة عنهم. كما أحثهم على الحفاظ على السمعة الطيبة التي يُعرفون بها، والتسلح بالصبر في هذه الظرفية الصعبة، وأن يتحدوا وأن يكونوا دائماً في الصفوف الأولى للدفاع عن السلم والوئام والعيش المشترك في بلدان إقامتهم ».
وبناءً على هذه الرؤية المتبصرة التي تأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجه الجالية المغربية جراء تشويه صورة الإسلام، مع تقديم نموذج لإسلام معتدل للدول الأوروبية، فرض الحضور الديني للمغرب في أوروبا نفسه كضرورة استراتيجية للمساهمة في ضمان الأمن الروحي.
تكوين الأئمة والمرشدات:
يُعد معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات بالرباط حجر الزاوية في هذه المنظومة. فقد أصبحت المملكة المغربية شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه للعديد من الدول الأوروبية في مجال تكوين الأطر الدينية عبر اتفاقيات ثنائية. والهدف هو تكوين أئمة يمتلكون رسوخاً في فهم النصوص المقدسة ومعرفة دقيقة تتيح تكييفها مع السياق السوسيو-ثقافي الأوروبي.
وعلاوة على ذلك، يوفد المغرب سنوياً بعثات من الأئمة والوعاظ والواعظات إلى المساجد الأوروبية لتأطير المصلين خلال شهر رمضان المبارك، مما يقوي الرابط الروحي للجالية المغربية مع الثوابت الدينية للمملكة. وبرسم شهر رمضان الأبرك لعام 1447 ( فبراير-مارس 2026 )، عبأ المغرب بعثة تضم 320 من العلماء والأئمة؛ وتستقبل فرنسا تقليدياً الحصة الأكبر ( 82 عالماً عام 2026 )، تليها ألمانيا ( 51 )، وإسبانيا ( 51 )، وبلجيكا ( 42 )، ثم هولندا ( 35 ).
المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة :
يتخذ هذا المجلس من بروكسيل مقراً له، ويؤدي دوراً محورياً في تأطير وتنظيم الممارسة الدينية للجالية المغربية في أوروبا. وتبرز أهميته على مستويين رئيسيين:
- التوجيه الروحي: يعمل كمرجعية للإفتاء والإرشاد في قضايا العقيدة والعبادات، ساهراً على بقاء الارتباط وثيقاً بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.
- الاندماج وتكييف الخطاب: يسهر المجلس على الارتقاء بخطاب ديني يتماشى مع القوانين والقيم الإنسانية للمجتمعات الأوروبية، محارباً الانغلاق الفئوي والتطرف، ومحفزاً على الاندماج الإيجابي مع الحفاظ على الهوية الروحية.
في الختام، فرضت الدبلوماسية الدينية للمغرب نفسها كأصل جيوسياسي بارز، محولةً المملكة إلى وسيط استراتيجي لا غنى عنه في كل من إفريقيا وأوروبا.
ففي إفريقيا، أصبح المغرب مركز الثقل الروحي لمنطقة غرب إفريقيا والساحل. ومن خلال تكوين الأئمة والاستناد إلى شبكات الزوايا الصوفية، يؤمن المغرب تحالفاته السياسية ويكبح تمدد الإيديولوجيات الراديكالية على حدوده الجنوبية. وتشكل هذه “الأخوة الروحية” الدعامة المتينة التي تسهل وترسخ مكانته المستدامة داخل الاتحاد الإفريقي.
أما بالنسبة لـ الدول الأوروبية، فيُعتبر المغرب شريكاً أمنياً واستراتيجياً يمثل درعاً واقياً ضد التطرف. ومن خلال تقديم تأطير ديني مهيكل للجالية وتكوين أطر دينية قادرة على الموازنة بين الإيمان والمواطنة، يكرس المغرب مكانته كفاعل رئيسي في تحقيق الاستقرار الاجتماعي في أوروبا.
إن هذه الدبلوماسية تتخطى كونها مجرد أداة لإشاعة الإيمان، لتشكل استراتيجية حقيقية للأمن الوقائي. وهي تتيح للمغرب تحويل موروثه التاريخي العريق إلى آلية تأثير عصرية، تمنحه دور “عامل الاستقرار الإقليمي” الذي لا يمكن لمنافسيه في المنطقة ادعاءه.
(يتبع)
محمد جلماد – دكتور في القانون العام



