آراءslider

تأملات مقاصدية في جوهر الشغل..هل نحتفل بالعمل أم نُعيد اكتشافه؟

الفهم المقاصدي لمفهوم العمل في الإسلام: نحو تجاوز الاحتفال إلى بناء المعنى

حين نحتفل بعيد الشغل في الأول من ماي من كل عام، نتحدث عن حقوق العمال، عن ظروف الشغل، عن الأجور والضمانات، وعن النضالات الاجتماعية التي خاضها العمال من أجل تحسين أوضاعهم.
لكننا نادراً ما نتوقف عند سؤال أعمق:
ما هو “العمل” في جوهره؟
ما معناه في بنية الإنسان والمجتمع؟
وكيف ينظر الإسلام إليه من زاوية مقاصدية، لا فقط من زاوية الفقه أو الكسب؟

هذا المقال محاولة لتجاوز الشعارات المؤقتة، نحو رؤية متجذرة، تجعل من العمل قيمة أخلاقية، وسبيلاً لنهضة المجتمع، ومنهجًا للتدين الواعي.

أولًا: من المفهوم السطحي إلى الفهم المقاصدي

غالبًا ما يُختزل العمل في بعدين:

  • الكسب المادي
  • العلاقة التعاقدية بين العامل وربّ العمل

لكن حين نقرأ القرآن وننظر في السنة، لا نجد هذا الاختزال.
نجد تصورًا كليًا يجعل من العمل:

  • ممارسة إنسانية متجذرة في معنى الخلافة
  • أداة لتحقيق كرامة الفرد
  • وسيلة لبناء المجتمع
  • ركنًا من أركان الإعمار الذي هو جوهر الوجود الإنساني على الأرض

قال تعالى:
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
[التوبة: 105]الآية لا تتحدث عن الصلاة أو الزكاة، بل عن “العمل” بمعناه الواسع، وترتبط برؤية إيمانية رقابية: “فسيرى الله”.
فالعمل في الإسلام ليس فقط حرفة، بل شهادة إيمانية تُراقَب وتُزَن.

ثانيًا: العمل في ضوء مقاصد الشريعة الخمسة

الشريعة الإسلامية تهدف إلى حفظ خمس ضروريات:

  • الدين
  • النفس
  • العقل
  • النسل
  • المال

وكلها تتداخل مع العمل:

  1. حفظ النفس:
    العمل هو سبيل الإنسان لتأمين معاشه وتفادي التسوّل أو الهلاك.
    وقد حث النبي ﷺ على العمل حتى في أصعب الظروف:
    لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب…”
    رواه البخاري.
  2. حفظ العقل:
    العمل يحرر الإنسان من الفراغ المهلك، وينشّط التفكير، ويُشجع على الابتكار.
    العقول التي تعمل تُبدع، وتلك التي تتكل تصدأ.
  3. حفظ النسل:
    بالعمل يتأسس الاستقرار الأسري، وتُبنى البيوت، وتُنشأ الأجيال.
    العاطل عن العمل يعيش غالبًا قلقًا وجوديًا يمتد إلى محيطه الأسري.
  4. حفظ المال:
    العمل وسيلة مشروعة للرزق، تحفظ التوازن الاجتماعي، وتحدّ من الجريمة، والاحتيال، والربا.
  5. حفظ الدين:
    العمل عبادة إذا صلحت النية.
    قال ﷺ:
    من أمسى كالًّا من عمل يده، أمسى مغفورًا له
    رواه الطبراني.
    هذا حديث يعيد تعريف “الورع” الحقيقي، ويُخرجه من دائرة العزلة إلى ساحة الحياة.

ثالثًا: منطق “الإتقان” بدل منطق “الاحتفال

في كل أول ماي، نُرفع الشعارات وننظم المسيرات، لكن قلّما يُطرح سؤال:
هل نعمل بإتقان؟
هل نراعي ضميرنا المهني؟
هل نربّي أبناءنا على أن المهنة شرف لا مفر؟

قال النبي ﷺ:
إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه
رواه البيهقي.
الإتقان في الإسلام ليس رفاهًا، بل التزام ديني.
وهو الفارق بين أمة تستهلك وأمة تصنع، بين ثقافة تشتكي وثقافة تبني.

رابعًا: العمل والعدالة الاجتماعية

عيد الشغل لا معنى له إن لم يرتبط بفكرة “العدالة في العمل”.
وقد سبق الإسلام كل المواثيق في التأكيد على حقوق العامل:

  • الأجر العادل: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه
  • ظروف العمل الرحيمة: قال النبي عن العبيد: إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل…”

والفقهاء توسعوا في باب “الإجارة” لتفصيل العلاقات بين صاحب العمل والعامل، على أساس من الرحمة لا الاستغلال، ومن المساواة الإنسانية لا التسلط.

خامسًا: العمل والتدين المسؤول

في سياقنا المعاصر، انفصل الدين عن الإنتاج.
صار بعض المتدينين يتحدثون عن “الزهد” وهم لا يعملون، وعن “التوكل” وهم يطلبون الصدقة.
وهذا انحراف عن جوهر الإسلام.
النبي محمد ﷺ كان راعي غنم، وتاجرًا، وجنديًا، وإمامًا، وقاضيًا، في آن واحد.
كل ذلك عمل.

والمسلم الذي لا يُتقن عمله لا يخدم دعوته، ولا يعكس صورة دينه.
فالورع الحقيقي هو من يرفض الرشوة، ويحترم الوقت، ولا يغش في صناعة، ولا يظلم من يعمل معه.

خلاصة: من عيد الشغل إلى معنى الشغل

الاحتفال الحقيقي بعيد الشغل لا يكون باللافتات، بل بمراجعة مفهوم العمل نفسه.
هل نراه عبادة؟
هل نربطه بمقاصد الشريعة؟
هل نمارسه بإتقان؟
هل نطالب بحقوقنا ونحن نؤدي واجباتنا؟

الفهم المقاصدي لمفهوم العمل يُخرجنا من ضيق الاحتجاج إلى سعة الإصلاح، ويفتح أمامنا بابًا لفهم الدين كقوة دافعة نحو الإنتاج، لا كتبرير للعجز.
إنه فهم يعيد للعمل مكانته في بنية الحضارة الإسلامية، ويُعلّمنا أن اليد التي تعمل، إذا صلحت نيتها، فهي يد تبني الجنة.

ن.م.ك

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى