
تشكل الشرعية الدينية التاريخية للمؤسسة الملكية القاعدة الصلب لعمل تنسيقي محكم بين مؤسسات ذات مهام تكاملية، متمثلة في الرابطة المحمدية للعلماء والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ولقد نجح هذا ” المسار الثالث ” المغربي في التوفيق بين إكراهات الأمن الوطني وقيم التسامح التي تميز الإسلام المالكي، مما جعل من المملكة مرجعاً دولياً في مجال الاستقرار الروحي والمرونة في مواجهة الإرهاب.
الاستراتيجية الملكية لمكافحة التطرف وتفكيك البنية الفكرية المتشددة
دفعت الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء عام 2003 المملكة المغربية إلى ارتقاء مكافحة التطرف الديني إلى مصاف الأولويات الوطنية القصوى، تحت الحافز المباشر والتوجيه السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله-. وبصفته أميراً للمؤمنين، صاغ جلالته استراتيجية متعددة الأبعاد لم تقتصر على تقديم رد أمني صرف، بل ركزت على معالجة الجذور الإيديولوجية والاجتماعية للتشدد.
وتتميز هذه السياسة المتعلقة بـ ” الوقاية من التطرف العنيف ” بمقاربة مدمجة ومتكاملة، حيث تشكل الشرعية الدينية التاريخية للمؤسسة الملكية القاعدة الصلبة لعمل تنسيقي محكم بين مؤسسات ذات مهام تكاملية. وتكمن قوة النموذج المغربي في هذا التناغم والالتقائية غير المسبوقة بين ثلاثة فاعلين رئيسيين:
- أولاً، الرابطة المحمدية للعلماء: والتي تشكل ” مختبراً حقيقياً للأفكار” ورأس الحربة الفكري، حيث تتولى التفكيك العقدي والنفسي للخطابات المتطرفة، مع تقديم خطاب مضاد عصري ومبسط وقريب من الشباب.
- ثانياً، المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج: التي حولت الفضاء السجني إلى مكان لإعادة التأهيل من خلال برنامجها الرائد ” مصالحة “، مفسحةً للمجال أمام المعتقلين للمصالحة مع النص الديني، والمجتمع، ومع ذواتهم.
- ثالثاً، المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني: التي تضمن سلامة واستدامة هذه الصيرورة بفضل خبرتها العالية في مجال الاستخبارات، ساهرةً على تقييم مدى صدق ومصداقية المراجعات الفكرية للتائبين، وحماية الحوزة الوطنية من التهديدات الناشئة والمستجدة.
« إن هذه المعركة ستكسب بفضل استراتيجيتنا الشمولية والمدمجة والمتعددة الأبعاد. ففي شقها السياسي والمؤسساتي والأمني، تتوخى هذه الاستراتيجية المزيد من الحزم والفعالية، في نطاق الديمقراطية وسيادة القانون. وهي ترمي في جانبها الاقتصادي والاجتماعي، إلى تحرير المبادرات وتعبئة الطاقات، في خدمة التنمية والتضامن. وأخيراً، فإنها تهدف في بعدهـا الديني والتربوي والثقافي والإعلامي، إلى تربية المواطن وتكوينه، بتشريبه فضائل الانفتاح والعصرنة والعقلانية، والجدية في العمل والاستقامة، والاعتدال والتسامح ».
مقتطف من الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- إثر اعتداءات الدار البيضاء في 16ماي 2003.
إن هذا ” المسار الثالث ” المغربي، الذي رسمت معالمه الرؤية الملكية المتبصرة، نجح في التوفيق بين إكراهات الأمن الوطني وقيم التسامح التي تميز الإسلام المالكي، مما جعل من المملكة مرجعاً دولياً في مجال الاستقرار الروحي والمرونة في مواجهة الإرهاب.
إمارة المؤمنين: حجر الزاوية في تنظيم الحقل الديني وضبطه
يستند أساس سياسة تفكيك التطرف في المغرب إلى مؤسسة عريقة ضاربة في عمق التاريخ: إمارة المؤمنين . إذ تشكل الشرعية التاريخية ( عقد البيعة الشرعية ) والنسب الشريف للعاهل المغربي حصناً رمزياً منيعاً تلتطم أمامه النزعات المتطرفة، والتي تفشل في زرع أطروحتها حول ” الخلافة ” في بلد يجسد فيه أمير المؤمنين بالفعل هذه السلطة الروحية والزمنية الفضلى.
وقد انكب صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- في خطابه السامي بتاريخ 20 غشت 2016 على تفكيك بنية إيديولوجية التطرف الديني، وفضح زيف منظريها الذين يؤولون الإسلام تماشياً مع مصالحهم المظلمة. وأوضح السير أن الذين يحرضون على القتل والاعتداء، ويكفرون الناس بغير حق، ويؤولون القرآن والسنة قراءةً توافق أهواءهم، إنما يفترون الكذب على الله ورسوله.
وفي ذات الخطاب، تناول جلالة الملك -نصره الله- في مناسبات عدة مفهوم ” الجهاد “، موضحاً أنه « لا يجوز إلا لضرورة الدفاع عن النفس، وليس لارتكاب القتل أو العدوان »، شاجباً استغلال الشباب واللعب بعقولهم مستغلين جهلهم باللغة العربية وبالإسلام الصحيح. وتساءل جلالته مستنكراً: « هل يقبل العقل أن يكون الجهاد جزاؤه الحصول على عدد من الحور العين؟ وهل يستسيغ العقل السليم أن من يستمع للموسيقى سيبلعه جوف الأرض، وغيرها من الأباطيل؟ ». وكشف الملك المفدى أن الإرهابيين والمتشددين يركبون كل الوسائل لاستقطاب الشباب ودفعهم للارتماء في أحضانهم ومهاجمة المجتمعات المشرئبة بقيم الحرية والانفتاح والتسامح.
وفي تعليقه على الخطاب الملكي، كتب المفكر برنار هنري ليفي أن ملك المغرب، بصفته أميراً للمؤمنين، قد دخل في « شعاب المنظومة الثيولوجية-السياسية التي تمنح الإرهاب الجديد نفوذه وفعاليته؛ ومن خلال قلب هذه المنظومة ومواجهتها بذات منطقها للإيقاع بها في فخها، نجح جلالته في تجفيف منابع الشرعية التي كان يتبجح بها “مجاذيب الله”؛ وعزلهم داخل جماعة المؤمنين التي لم يعودوا يمثلون فيها سوى نتوءات بئيسة؛ وبذلك قطع الهيمنة المرعبة والمقدسة التي كانوا يمارسونها على الأنفس الضعيفة ».
وكان عبد الكريم الشاذلي، أحد الشيوخ السابقين لما كان يُعرف بـ ” السلفية الجهادية “، قد صرح لجريدة « أخبار اليوم » بأن بعض السلفيين المفرج عنهم هددوا بالالتحاق ببؤر التوتر وتنظيم ” داعش ” الإرهابي بسبب الظروف المادية الصعبة وهشاشة أوضاعهم الاجتماعية. ومن هنا، تأتي حاجة البلاد أيضاً إلى « تحليل عميق للاحتياجات الفئات الخطيرة أو الهشة، لتقييم حجم الحرمان والإحباط واليأس الذي يعيشون فيه ».
ويشكل هؤلاء تجسيداً للمقاربة النفسية التي قدمها الباحث أبراهام كابلان حول شخصية الإرهابي؛ إذ يرى كابلان أن الإرهابي لا يمتلك ” أناً ” قوية تمكنه من مواجهة تقلبات وصعوبات الوجود، وبالتالي يصبح فريسة سهلة للشعور بالاضطهاد والمهانة. ومن ثَمَّ، فإن الشخص الذي يعاني من صدمة نفسية يتماهى مع من يهاجمه، ويظهر سلوكاً عنيفاً تجاه إكراهات الحياة، وينضوي تحت لواء أشخاص يتقاسمون معه نفس المعاناة بغية استعادة الثقة في ذاته.
إن الاهتمام بأسباب الداء عبر منح الأولوية القصوى لانشغالات المواطن هو بالذات ما طالب به صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- ممثلي الشعب في البرلمان بجعله عماد أنشطتهم، وذلك في خطابه السامي بليغ الدلالة بتاريخ 15 أكتوبر 2016. فقد قدم السير الحل الناجع لمعالجة القلق والضيق النفسي والاجتماعي الذي يغذي الانحرافات السلوكية، والمتمثل في: الاعتبـار الكامل للمواطن، وتثمينه، وحمايته من التعقيدات البيروقراطية التي غالباً ما تولد الإحباط والتهميش.
وبعبارة أخرى، فإن ترياق التطرف في المجتمع المغربي يكمن في إعلاء مصفوفة قيم ” المواطنة “. وإن العناية الفائقة التي أولاها جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- للنهوض بالمواطن وتثمينه تندرج تماماً في إطار تجفيف منابع ومسببات التشدد؛ إذ أرسى جلالته ثقافة سياسية جديدة تقوم بالأساس على مصالحة الإدارة مع المواطن. وهذا هو جوهر التوجيهات الملكية السامية الموجهة إلى كافة مؤسسات الدولة، والجهاز التنفيذي على وجه الخصوص، بـ « الانكباب الجدي على القضايا والاهتمامات الحقيقية للمواطنين ». والواقع أن هذه الانشغالات ليست ذات طبيعة إيديولوجية أو عقائدية، بل هي اجتماعية واقتصادية وثقافية؛ والمقصود منها هو طمأنة المواطن في وجدانه وتعزيز شعور انتمائه إلى جماعة وطنية تحترم كرامته، وتضمن قنوات تواصل كفيلة بتدبير تفاعلاته واستيعاب غضبه والاستجابة لانتظاراته، في إطار من القانون، والعدالة، والإنصاف، والتضامن الوطني.
الإشادة الدولية والبعد الإنساني للمقاربة الملكية:
حظيت نموذجية ونجاعة الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- في مجال مكافحة الإرهاب بإشادة دولية واسعة في نيويورك، بمناسبة الاجتماع الوزاري السابع للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، المنعقد على هامش أعمال الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ومن الواضح أن مقاربة جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- فرضت احترامها بفضل طابعها المتكامل والمتعدد الأبعاد؛ فهي مقاربة تضع في صدارة أولوياتها تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنمية البشرية؛ وهو ما ثمنته وزارة الخارجية الأمريكية التي أشادت بـ « إصلاح الحقل الديني من طرف جلالة الملك، وتسريع تنزيل البرامج التعليمية والمبادرات الرامية إلى إنعاش سوق الشغل لفائدة الشباب، فضلاً عن تمكين المرأة من خلال توسيع حقوقها القانونية والسياسية والاجتماعية ». فلا ريب في إرادة جلالة الملك الراسخة لزرع الأمل عبر التكوين والتشغيل لثني الشباب عن تدمير مستقبلهم وحثهم على بنائه والمحافظة عليه.
ولا يغيب البعد الإنساني قط عن الاستراتيجية الملكية؛ وإلى هذا الإطار تستند المبادرات الملكية المتعددة القاضية بإصدار العفو الملكي السامي لفائدة المعتقلين في قضايا التطرف والإرهاب الذين تمت محاكمتهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب. فبالإضافة إلى كون العفو ممارسة لصلاحية دستورية أصيلة لجلالته، فقد أكد السير من خلاله على رأفة ورحمة الوطن، مفسحاً لهم المجال والفرصة لإعادة الاندماج الاجتماعي، شريطة استخلاص الدروس والعبر والانخراط الفعلي في مسار بناء دولة الحق والقانون.
لقد كشف خطاب 20 غشت 2016 عن بعد معرفي وفكري وتأصيلي بالغ الأهمية؛ إذ قام صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بتفكيك ممنهج للخطاب الظلامي الذي تروج له الشرذمة المتطرفة، مـ« ـحذراً من الخلط والتعميمات السطحية التي تسعى إلى ربط الإرهاب بدين أو بعرق معين، وهو الأمر عينه الذي ينشده الإرهابيون لبذر بذور التفرقة والفتنة ».
الرابطة المحمدية للعلماء: هندسة الخطاب المضاد
تُعتبر الرابطة المحمدية للعلماء إحدى الركائز الأساسية في مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله-. وتعمل الرابطة، التي تأسست بموجب ظهير شريف في 14 فبراير 2006 وتخضع لإشراف أمينها العام الدكتور أحمد عبادي، بمثابة ” مركز تفكير ” ومختبر للأفكار مكرس لإشاعة إسلام منفتح ومتسامح يواكب رهانات القرن الحادي والعشرين.
وبخلاف المجلس العلمي الأعلى الذي يعنى بالجانب المؤسساتي والفتوى، تركز الرابطة جهودها على البحث العلمي، والإنتاج الفكري، والتواصل الرقمي. وتتدخل هذه المؤسسة في الممارسة الميدانية من أجل ” نزع سلاح ” العقول؛ حيث يكمن دورها في تحويل الخطاب الديني المعقد إلى آليات بيداغوجية مبسطة، معتكفةً على تفكيك المفاهيم التي طالها الانحراف والتحريف ( مثل الجهاد والتكفير ) لتجريدها من شحنتها العنيفة وإعادة إدراجها ضمن قراءة إنسانية سمحة.
وقد تميزت الرابطة ببراعتها وقدرتها العالية على ولوج الحقل الرقمي عبر إحداث منصات تفاعلية وإطلاق بوابات إلكترونية متخصصة في تفكيك خطاب الكراهية. كما تُعد الرابطة شريكاً استراتيجياً في برنامج مكافحة التطرف في المؤسسات السجنية ( برنامج ” مصالحة ” )، مستثمرةً خبرتها العلمية والتأصيلية في محاورة المعتقلين.
ويُعتبر تفكيك مفهوم ” الجهاد ” أحد أكثر الأوراش جرأة ونجاحاً للرابطة المحمدية للعلماء. وبتوجيهات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله-، يروم هذا البرنامج سحب أداة الاستقطاب الرئيسية من أيدي الجماعات المتطرفة، عبر إثبات أن تأويلاتها خاطئة شرعاً وواهية تاريخاً. وفي هذا الصدد، يؤصل خبراء الرابطة بأن الآيات التي يستشهد بها المتشددون نزلت في سياقات حربية محددة خلال القرن السابع الميلادي، ولا يمكن انتزاعها من إطارها التاريخي لتطبيقها بشكل كوني عابر للزمان والمكان.
وفي عام 2018، أعلنت الرابطة عن إصدار سلسلة كراسات علمية حول تفكيك خطاب التطرف. وتقوم هذه السلسلة الأكاديمية بتحليل مفاهيم دينية عدة حوّرها دعاة التشدد والإرهاب لتأسيس خطاب الكراهية والعنف عليها. وإلى جانب مفهوم الجهاد السالف الذكر، تضم المجموعة تحليلات معمقة حول:
- مفهوم ” التكفير “: وهو عماد العنف وأصله؛ حيث تبين الرابطة أن تكفير المسلم أمر جد خطير، ويخضع لشروط صارمة يكاد يكون اجتماعها مستحيلاً، على النقيض من الاستعمال العشوائي والمفرط الذي يعتمده المتشددون لتبرير القتل.
- مفهوم ” الحاكمية “: وهو المفهوم الموظف لرفض القوانين المدنية والديمقراطية؛ وتوضح الرابطة أن الحاكمية الإلهية لا تتنافى بأي حال من الأحوال مع المنظومة التشريعية البشريـة واحترام مؤسسات الدولة.
- مفهوم ” الخلافة “: يفكك البرنامج طوباوية ” الدولة العالمية الواحدة “، مذكرًا بأن الإسلام يقر بشرعية الدولة-الأمة وتنوع نماذج الحكم حسب الحقب والعصور.
- مفهوم ” الولاء والبراء “: الذي يرتكز عليه المتطرفون لنشر كراهية غير المسلمين؛ حيث تعيد الرابطة صياغة المعنى الأصيل للمفهوم بوصفه تفضيلاً روحياً لا يمنع قط البر والقسط، والتعامل التجاري، والمواطنة المشتركة مع أهل الديانات الأخرى.
وقد أدركت الرابطة المحمدية للعلماء مبكراً أن التطرف ليس مجرد معضلة عقدية، بل هو أيضاً ظاهرة ترتبط بعلم النفس السلوكي. ولتفكيك التطرف أو الوقاية من التجنيد، توظف المؤسسة أدوات عيادية ومعرفية للتأثير في عواطف الأفراد وآلياتهم الذهنية عبر الاشتغال على محددين:
- الفكر الثنائي: حيث يرى المتطرفون العالم بلونين فقط ” أبيض أو أسود ” ( مؤمن ضد كافر ). وتستعين الرابطة بعلم النفس المعرفي لإعادة إدخال النسبية والتركيب في التفكير الوجداني للشباب.
- الشعور بالبطولة: إذ غالباً ما يمنح التطرف هوية ” البطل المخلص ” لشباب يعانون من فقدان البوصلة والموجّه؛ وتقدم الرابطة بدائل لتثمين الذات عبر الانخراط المدني والنجاح الشخصي.
والواقع أن الرابطة المحمدية للعلماء أضحت مرجعاً عالمياً؛ إذ تنسق وتتعاون بشكل وثيق مع منظمات دولية ( مثل الأمم المتحدة، اليونسكو، والاتحاد الأوروبي ) لتقاسم الخبرة المغربية في مجال الوقاية من التطرف العنيف ، وتكوين الباحثين والفاعلين الدينيين الأجانب، ونشر مؤلفات مرجعية مترجمة إلى لغات عدة.
الإدارة السجنية: عبقرية برنامج ” مصالحة “
تُعد المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، تحت إدارة السيد محمد صالح التامك، المهندس العملياتي والمنفذ الميداني لبرنامج ” مصالحة “. ويُعتبر دورها حاسماً لكونها تحول الفضاء السجني، الذي جرت العادة على اعتباره مكاناً للعقاب، إلى فضاء للتحول والتأهيل الإنساني. ويتميز هذا البرنامج الذي أُطلق عام 2017 بعدم التعامل مع السجين كتهديد أمني فحسب، بل كذات قابلة للإصلاح والمصالحة عبر الحوار وتحكيم العقل.
وفي كلمته بمناسبة اختتام فعاليات الدورة الـ18 لبرنامج “مصالحة” يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025 بالسجن المحلي بسلا، أوضح رئيس مركز ” مصالحة ” الدكتور أحمد عبادي، أن استمرار تنزيل البرنامج يرجع إلى النجاح المتميز الذي حققته كافة الدورات السابقة وبلوع الأهداف المسطرة، مشيراً إلى أن 13 سجينة استفدن من البرنامج في إطار مقاربة تراعي النوع الاجتماعي، وقد أُفرج عنهن جميعاً. وجدير بالذكر أن العدد الإجمالي للمستفيدين منذ إطلاق البرنامج عام 2017 بلغ 436 نزيلاً من المحكومين في قضايا الإرهاب.
إرساء إطار آمن ومحفز على الحوار:
توفر المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج الدعم اللوجستي والأمني اللازم لتمكين المتدخلين الخارجيين ( علماء الرابطة، أخصائيين نفسيين، وخبراء قانونيين ) من التواصل الفعال مع النزلاء. وتعمل الإدارة على تحديد فئة المستفيدين من بين الأشخاص الذين يبدون رغبة حقيقية في مراجعة أفكارهم. ويقوم البرنامج على مبدأ الطوعية والاختيار، وهو سر نجاحه النفسي؛ حيث يُجمع المشاركون في جلسات جماعية تبتغي كسر العزلة السجنية التي غالباً ما تغذي الغلو والتشدد.
برنامج مهيكل ومنظم:
يتمفصل البرنامج حول مسار مصالحة ثلاثي الأبعاد:
- البعد التأصيلي ( المصالحة مع النص الديني ): وهي مرحلة ” النزع الفكري للسلاح “، حيث يواجه العلماء النزلاء بالتناقضات الكامنة في تأويلاتهم الخاطئة والمنزوعة من سياقها للآيات المستغلة لتبرير العنف.
- البعد القانوني ( المصالحة مع المجتمع ): ويهدف إلى إعادة دمج النزيل في النسيج المجتمعي الوطني، وملاءمة سلوكه مع احترام القواعد الدستورية والقانونية والتنظيمية، وتحسيسه بمبادئ حقوق الإنسان واحترام الآخر.
- البعد النفسي ( المصالحة مع الذات ): لكون التطرف غالباً ما يكون نتاجاً لشروخ وتصدعات في الهوية. ويعمل هذا الشق، الذي يؤطره أخصائيون نفسيون، على ترميم تقدير الذات للخروج من نرجسية ” البطولة الوهمية للإرهاب ” لاستعادة كرامة المواطنة، فضلاً عن تطوير الذكاء العاطفي لتعلم تدبير الإحباط والغضب دون اللجوء إلى العنف.
التهيئة لـ ” إعادة الإدماج السوسيو-اقتصادي “:
تسهر الإدارة السجنية على إعداد النزلاء لمرحلة ما بعد الإفراج لتفادي وقوعهم في شباك الهشاشة الاجتماعية التي تعد المسبب الأول للعودة إلى الجريمة. ومن ثَمَّ، تقدم المندوبية للمشاركين تكوينات مهنية مؤهلة بشواهد ( كالصناعة التقليدية، المعلوميات، والفلاحة ) داخل المؤسسات السجنية، بالإضافة إلى دعم المشاريع الصغرى؛ إذ تساهم، بالشراكة مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، في تمكين خريجي البرنامج من الحصول على تمويلات لإنشاء أنشطتهم المدرة للدخل عند معانقتهم الحرية.
وبفضل الحكامة والصرامة التي تنهجها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، نال النموذج المغربي لتفكيك التطرف في السجون اعترافاً وطلباً دولياً واسعاً؛ حيث تلجأ دول عدة ( أوروبية وإفريقية ) إلى خبرة المندوبية لتكوين موظفيها السجنيين في كيفية تدبير النزلاء المتطرفين. كما طورت المندوبية شراكات استراتيجية عبر التعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لتوحيد ومعيرة مناهج إعادة الإدماج.
الالتقائية والتكامل المؤسساتي:
يستمد البرنامج نجاحه من التكامل والتنسيق المحكم بين مؤسسات ذات أدوار متكاملة:
- المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج : تتولى القيادة اللوجستية، وانتقاء المرشحين ( بناءً على التطوع )، والتتبع السلوكي داخل الزنازين.
- الرابطة المحمدية للعلماء: توفر الخبرة الفكرية والعلمية، حيث يتولى علماؤها تفكيك مفاهيم الجهاد، والتكفير، والخلافة مباشرة مع النزلاء.
- المجلس الوطني لحقوق الإنسان: يضمن احترام المسار للكرامة الإنسانية وتحسيس النزلاء بالقيم الكونية وقيم المواطنة.
- المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني: تتولى تقييم مدى صدق مراجعات التائبين وقياس مستوى المخاطر المتبقية.
حصيلة إيجابية متميزة:
في عام 2026، أضحى يُستشهد بحصيلة برنامج ” مصالحة ” كنموذج يُحتذى به في أروقة الأمم المتحدة؛ أولاً بفضل نسبة العود إلى الجريمة التي تظل شبه منعدمة ( 0% ) في صفوف خريجي البرنامج، وثانياً لكون البرنامج يشكل جسراً ومعبراً نحو العفو الملكي السامي وإعادة الإدماج؛ إذ إن النزلاء الذين يظهرون تغييراً حقيقياً في قناعاتهم الفكرية والسلوكية غالباً ما تُرفع أسماؤهم للاستفادة من العفو الملكي بمناسبة الأعياد الوطنية والوطنية الدينية المجيدة.
إن الأثر الجوهري لهذا البرنامج يكمن في مساهمته في تحويل السجن من مكان لـ “اعتقال المتطرفين” إلى فضاء لـ “إعادة الصياغة والتأهيل الفكري”، حائلاً دون تحول السجون إلى مراكز للاستقطاب والتجنيد. فهذه المنظومة لا تكتفي بالمقاربة الأمنية، بل تجري ” جراحة إيديولوجية ” حقيقية داخل الوسط السجني. إن برنامج ” مصالحة ” هو خير دليل على أن قوة العقل والمنطق، عندما ترعاها سلطة شرعية عليا ( إمارة المؤمنين )، تظل السلاح الأكثر فتكاً ونجاعة في مواجهة التطرف.
المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني: الخبرة الأمنية في خدمة المصالحة:
تُشكل مشاركة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إحدى الحلقات الأكثر استراتيجية ودقة في منظومة مكافحة التطرف وتفكيك البنية الفكرية المتشددة. وفي الوقت الذي تدير فيه المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج الحياة اليومية داخل السجون، وتتولى فيه الرابطة المحمدية للعلماء تأطير المضمون الديني والتأصيلي، تتدخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني على مستوى الخبرة الأمنية، وتقييم المخاطر، والاستباق.
الخبرة في انتقاء وتتبع المرشحين:
تضطلع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بدور المصفاة والجهة المصادِقة عند إطلاق كل دورة من دورات برنامج ” مصالحة “، وذلك من خلال التحقق من مدى صدق ومصداقية النزلاء المرشحين. واعتماداً على قواعد بياناتها الدقيقة وتتبعها الحثيث للشبكات الإرهابية، تساعد المديرية على تقييم ما إذا كان طلب ” المصالحة ” المقدم من طرف المعتقل ينبع من رغبة أصيلة وصادقة، أم أنه مجرد مناورة تكتيكية واستراتيجية للتخفي ( التقية ).
كما تقوم هذه الأجهزة الأمنية بتقييم درجة خطورة المعتقل عبر دراسة مساره الجنائي دراسةً دقيقة ومفصلة( دوره داخل التنظيم الإرهابي، مستوى التشبع بالفكر المتطرف، والارتباطات والامتدادات الدولية ) بهدف ملاءمة مستوى التأطير والمواكبة خلال فترة البرنامج.
وفي إطار تفكيك التطرف، لا تتحرك المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالاعتماد على المقاربة الزجرية وحدها، بل تعتمد على المقاربة الذكية القائمة على الاستخبار واليقظة؛ لا سيما من خلال رصد ” الإشارات الضعيفة “، حيث تنسق بشكل وثيق مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج لتحديد القادة والمؤثرين المتطرفين الذين يحاولون ثني باقي المعتقلين عن الانخراط في برنامج تفكيك التطرف. ويشمل ذلك أيضاً تحييد عناصر التأثير، حيث تساعد المديرية على عزل العناصر الأكثر تعنتاً وتشدداً لحماية النزلاء الذين يسيرون في مسار التوبة والمراجعة الفكرية.
المساهمة في التكوين المدني والقانوني:
خلال ورشات برنامج ” مصالحة “، يتدخل أطر من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أو خبراء أمنيون في بعض الأحيان لتوضيح الإطار القانوني وشرح آليات قانون مكافحة الإرهاب، فضلاً عن تبيان التبعات القانونية والقضائية المترتبة عن العود إلى الجريمة. ويسهم هذا التدخل في تعزيز مصالحة المعتقلين مع القانون، عبر إدراكهم لطبيعة التهديدات والمخاطر التي كانت تشكلها أفعالهم على أمن واستقرار الوطن.
اليقظة والمواكبة في مرحلة ما بعد الإفراج:
بمجرد الإفراج عن النزلاء -والذين غالباً ما يستفيدون من عفو ملكي سامٍ بعد استكمالهم لمراحل البرنامج- تؤمن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني منظومة يقظة وتتبع تلمسية وصارمة، للوقاية من مخاطر العود وتحصين المحيط العائلي للمستفيدين من أي مؤثرات متطرفة. وبذلك، تضمن المديرية واكبةً غير مباشرة تكفل بقاء بيئة المعتقل السابق سليمة ومحصنة، حفاظاً على الاستثمار الإنساني والمالي الذي بُذل طيلة مراحل برنامج تفكيك التطرف.
إن انخراط المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يمنح برنامج “مصالحة” مصداقيته الأمنية الكبرى؛ فهو يضمن ألا يقتصر البرنامج على تمرين فكري ونظري صرف، بل يجعله صيرورة آمنة، مستدامة، ومحاطة بكافة الضمانات السيادية. ويُذكر هذا التنسيق المحكم بين “العمل الاستخباراتي الاستباقي” و” إعادة التأهيل الفكري ” بوصفه المفتاح الأساسي للاستقرار الاستثنائي الذي ينعم به المغرب في مواجهة ظاهرة الإرهاب.
(يتبع)
محمد جلماد – دكتور في القانون العام



