اليعلاوي يقترح “المشورة القضائية” و“القانون المرجعي” لتفعيل حضور الفقه الإسلامي في القضاء

أكد محمد اليعلاوي، أستاذ القانون المدني بدار الحديث الحسنية، أن الفقه الإسلامي لا ينبغي أن يُختزل في كونه تراثاً دينياً أو مدونات تاريخية جامدة، بل يجب النظر إليه باعتباره نظاماً قانونياً قائماً بذاته ضمن العائلات القانونية الكبرى في العالم، يمتلك قدرة ذاتية على إنتاج الحلول التشريعية والتفاعل مع التحولات الاجتماعية والقضائية المعاصرة.
وأضاف المحاضر، خلال عرضه لموضوع “الفقه الإسلامي بوصفه نسقاً من الأنساق القانونية الكبرى”، الذي احتضنه رواق دار الحديث الحسنية بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب، مساء يوم السبت 9 ماي 2026، أن هذا التصور يستند إلى قراءة تحليلية لكتاب Les grands systèmes de droit contemporains، الذي يُعد من أبرز المراجع في تصنيف الأنظمة القانونية المعاصرة، ويرتبط باسم الفقيه القانوني الفرنسي رينيه دافيد René David.
وأوضح أن أهمية هذا العمل تكمن في كونه من أوائل التصنيفات العالمية التي اعتمدت مفهوم “العائلات القانونية”، حيث أدرج الفقه الإسلامي ضمن الأنظمة القانونية الكبرى إلى جانب النظامين الروماني الجرماني والأنجلوسكسوني، وهو ما منح الفقه الإسلامي اعترافاً أكاديمياً دولياً باعتباره نسقاً قانونياً مستقلاً داخل الدراسات المقارنة.
وأشار اليعلاوي إلى أن تصنيف الفقه الإسلامي ضمن “الأنظمة ذات الصبغة الدينية” أثار نقاشاً إبستمولوجياً واسعاً، لأن هذا التوصيف قد يحصر الفقه في البعد القدسي والأخلاقي، ويغفل منطقه القانوني الإجرائي القائم على آليات الاجتهاد والاستنباط والقياس، وهي الآليات التي تمنحه صفة “القانون الحي” القادر على التفاعل مع الواقع.
كما توقف عند “الاستمرارية العلمية” التي عرفها كتاب “الأنظمة القانونية الكبرى”، مبرزاً أن المشروع الفكري لم يتوقف عند مؤسسه، بل تعاقبت عليه أجيال أكاديمية متعددة، ما أتاح تطوير القراءات المرتبطة بالفقه الإسلامي وربطه بتحولات العولمة القانونية الحديثة، مع الحفاظ على الروح العامة التي وضعها رينيه دافيد.
المادة 400 من مدونة الأسرة كنموذج لاستمرار الفقه المالكي في القضاء المغربي
وفي السياق المغربي، أبرز المحاضر أن المادة 400 من مدونة الأسرة المغربية تمثل نموذجاً عملياً لاستمرار الفقه الإسلامي داخل المنظومة القانونية الوطنية، باعتبارها “قنطرة إحالة” تجعل من الفقه المالكي مرجعاً احتياطياً للقضاء عند غياب النص، وهو ما يمنح الفقه حضوراً عملياً داخل القضاء المغربي بدل بقائه مجرد معرفة نظرية أو تاريخية.
وأكد الدكتور محمد اليعلاوي أن مسؤولية التعامل مع الفقه الإسلامي داخل المنظومة القانونية مسؤولية جماعية تمس “العقل القانوني للأمة الإسلامية”، خصوصاً في سياق النقاشات الجارية حول تعديل مدونة الأسرة المغربية، وما يرتبط بها من جدل حول بعض موادها، وعلى رأسها المادة 400 من مدونة الأسرة المغربية.
وانتقد المتحدث بعض الدعوات التي تطالب بإقصاء هذه الإحالة على الفقه الإسلامي من القانون الوضعي المغربي، معتبراً أن الإشكال لا يتعلق بشرعية الفقه أو قيمته، بل بصعوبات معرفية مرتبطة بضعف تكوين بعض الطلبة في الفقه الإسلامي، وعدم قدرتهم على استيعاب منطقه القانوني وآليات اشتغاله.
وشدد على أن الفقه الإسلامي ليس نصاً هامشياً أو معرفة قابلة للإلغاء، بل هو تراث قانوني حضاري ضخم تراكَم عبر قرون من الاجتهاد والتقعيد القضائي والتوثيق، مما يجعله جزءاً من الذاكرة القانونية للأمة، وليس مجرد مادة تاريخية جامدة.
مقترحات لتطوير حضور الفقه الإسلامي: القانون المرجعي والمشورة القضائية
وفي هذا السياق، اقترح المحاضر مقاربتين عمليتين لضمان استمرار حضور الفقه الإسلامي داخل القضاء والقانون:
الأولى: تحديد “القانون المرجعي”
عبر وضع لوائح واضحة للمصادر الفقهية المعتمدة التي يرجع إليها القاضي، بما يحقق وضوحاً منهجياً في التعامل مع الإحالات الفقهية، ويخفف من إشكال التشتت المرجعي.
الثانية: إحياء نظام “المشورة القضائية”
من خلال تمكين القاضي من الاستعانة بخبراء متخصصين في الفقه الإسلامي لتقديم آراء فقهية مساعدة في القضايا المعروضة، بما يضمن ربط القضاء بالخبرة الفقهية المتخصصة، ويسهم في دعم جودة الاجتهاد القضائي.
ويرى المتحدث أن هذه الآليات لا تهدف إلى تعقيد المسار القضائي، بل إلى ضمان استمرارية الفقه الإسلامي داخل المنظومة القانونية المعاصرة، وتحويله من مجرد إحالة نظرية إلى أداة عملية مساعدة في إنتاج الحكم القضائي.
وختمت المداخلة بالتأكيد على أن تجاوز الإشكالات المرتبطة بالفقه الإسلامي لا يكون بإقصائه، بل بفتح المجال أمام تعميق معرفته داخل كليات الحقوق، ودمجه في الدراسات القانونية المقارنة، بما يعزز حضوره كنسق قانوني حي قادر على مواكبة التحولات التشريعية والاجتماعية الحديثة.



