sliderآراء

وكالة بيت مال القدس الشريف: دبلوماسية التراث في خدمة الذاكرة والصمود وإحياء القدس

يمكن قراءة تاريخ وكالة بيت مال القدس الشريف باعتباره تاريخ مؤسسة نجحت تدريجيًا في تحويل التضامن مع القدس إلى سياسة شاملة للحضور والحماية والتنمية البشرية. فقد نشأت انطلاقًا من الرغبة في توفير مؤسسة قادرة على تحويل عمل لجنة القدس إلى أفعال ملموسة، ثم تطورت لتصبح أداة متعددة الأبعاد تتكامل فيها عملية الترميم المعماري مع المساعدة الاجتماعية والتعليم والصحة والزراعة والثقافة والشباب والبحث العلمي والتكنولوجيا الرقمية.


د. محمد اشتاتو

مقدمة — القدس: مدينة يتحول فيها التراث إلى مسؤولية تاريخية

تحتل القدس الشريف مكانة في التاريخ الديني والثقافي والحضاري للإنسانية تتجاوز بكثير حدود مدينة بالمعنى الجغرافي. فهي في الوقت ذاته مدينة للإيمان، وفضاء تاريخي متعدد الطبقات، ومستودع للذاكرة، ومهد لحضارات متعاقبة، ومجال تتداخل فيه الأبعاد الروحية والهوياتية والسياسية والتراثية بدرجة استثنائية من التعقيد والكثافة. وبالنسبة إلى المسلمين، ترتبط القدس بصورة خاصة بالمسجد الأقصى وبالإسراء والمعراج؛ وبالنسبة إلى المسيحيين، تظل مركزًا لذاكرة آلام المسيح وقيامته؛ وبالنسبة إلى اليهود، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ التوراتي والهيكل. ولذلك تعترف اليونسكو بالمدينة القديمة في القدس وأسوارها باعتبارها موقعًا ذا أهمية استثنائية للديانات التوحيدية الثلاث، ومجالًا يضم مجموعة فريدة من المعالم التاريخية والأحياء الدينية والأماكن المقدسة والتقاليد الثقافية. وقد أدرجت المدينة القديمة على قائمة التراث العالمي سنة 1981، وعلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر سنة 1982 (UNESCO World Heritage Centre, 1981–2026).

وفي مثل هذا السياق، فإن حماية القدس لا تعني مجرد صيانة الحجارة القديمة، أو ترميم المباني التاريخية، أو تمويل البنيات التحتية. فصون المدينة المقدسة يعني كذلك الحفاظ على الجماعة البشرية التي تمنحها معناها، وحماية المعارف التي تنتقل من جيل إلى آخر، ودعم الأسر والشباب والنساء والحرفيين والمزارعين والتجار والمؤسسات التعليمية، وضمان ألا يتحول التراث إلى واقع متحفي جامد ومنفصل عن أولئك الذين يسكنونه. وتعرّف اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي هذا التراث بأنه الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تعتبرها الجماعات جزءًا من تراثها، والتي تعيد إنتاجها باستمرار استجابة لتاريخها وبيئتها (UNESCO, 2003).

وفي إطار هذا التصور الدينامي للتراث، تكتسب أعمال وكالة بيت مال القدس الشريف معناها الكامل. فالوكالة، باعتبارها الذراع الميداني للجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، أصبحت أداة متميزة للتضامن والتنمية البشرية وحماية التراث والدبلوماسية الثقافية. ولا يقتصر عملها على المحافظة على المعالم والآثار، وإنما يسعى كذلك إلى توفير الشروط الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية التي تمكن سكان القدس من الاستمرار في العيش في مدينتهم، ونقل تقاليدهم، والمشاركة بأنفسهم في الحفاظ على هويتها المتعددة. وتؤكد الوكالة رسميًا أن رسالتها تتمثل في تنفيذ مشاريع اجتماعية في القدس، بما يسهم في حماية المدينة المقدسة، وصون تراثها الديني والثقافي، ودعم سكانها. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, n.d.-a)

وتكمن أهمية وكالة بيت مال القدس الشريف تحديدًا في هذا الربط بين التراث والسكان. فهي تحول التراث من هدف جمالي معزول إلى أداة للصمود الإنساني. كما تربط بين الترميم المعماري والتعليم والصحة والزراعة والشباب والثقافة والبحث العلمي والحرف والتجارة التضامنية والتوثيق الرقمي والمساعدة الاجتماعية. ومن ثم يمكن فهم ديناميتها باعتبارها شكلًا حقيقيًا من «دبلوماسية التراث»، حيث تتحول المحافظة على الثقافة في الوقت نفسه إلى فعل تضامن وذاكرة وحضور مؤسسي وتنمية.

لجنة القدس والبدايات المؤسسية لوكالة بيت مال القدس

جاء إنشاء لجنة القدس سنة 1975 تعبيرًا عن الاعتراف بالمكانة الاستثنائية للقدس في الوعي العربي والإسلامي الجماعي. وقد أنشئت اللجنة في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وأوكلت إليها مهمة متابعة التطورات المتعلقة بالقدس، والدفاع عن مكانتها الخاصة، وحشد الوسائل السياسية والدبلوماسية والمادية اللازمة لحمايتها. وقد أسندت رئاسة اللجنة إلى المغرب، أولًا في عهد المغفور له الملك الحسن الثاني، ثم في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس. وتقدم الوثائق المؤسسية المغربية ووثائق الوكالة هذه الاستمرارية باعتبارها أحد الأسس التي تقوم عليها الجهود المغربية من أجل القدس الشريف. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, n.d.-b)

وقد شكل إنشاء وكالة بيت مال القدس تطورًا أساسيًا في هذه البنية المؤسسية. فلم يعد كافيًا إصدار البيانات السياسية أو القيام بالمبادرات الدبلوماسية؛ بل أصبح من الضروري إنشاء أداة تنفيذية قادرة على تحويل التضامن إلى إنجازات ملموسة. وبمبادرة من المغفور له الملك الحسن الثاني، اعتمد قادة الدول العربية والإسلامية الأعضاء في لجنة القدس مقترح إنشاء الوكالة في بداية سنة 1995، وتم إعداد بنيتها باعتبارها جهازًا تنفيذيًا للجنة، قبل أن تبدأ نشاطها رسميًا في نهاية سنة 1998 بعد إيداع أول مساهمة مالية في حساباتها. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, n.d.-a)

ويكتسي هذا التطور المؤسسي أهمية كبيرة لأنه يمثل الانتقال من منطق سياسي ودبلوماسي أساسًا إلى منطق عملي وتنفيذي. فلم تعد قضية القدس تُطرح فقط في المحافل الدبلوماسية، وإنما أصبحت تتجسد في المدارس والمساكن والمراكز الثقافية والمشاريع الزراعية والبرامج الموجهة للأطفال والمبادرات الصحية وعمليات الترميم المعماري والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية. وبعبارة أخرى، حولت وكالة بيت مال القدس التضامن المعلن إلى تضامن يتم تدبيره وتمويله وتنفيذه وتقييمه على أرض الواقع.

وتعكس البنية المؤسسية للوكالة هذا الطموح. فتدبير أعمالها يخضع لهيئتين إشرافيتين، من بينهما لجنة الوصاية التي يرأسها المغرب، ومجلس الإدارة الذي يضم وزراء المالية للدول الأعضاء في لجنة القدس. وتحتل المملكة المغربية موقعًا مركزيًا في حكامة الوكالة وفي دعمها المالي، الأمر الذي وفر لها درجة مهمة من الاستمرارية المالية والمؤسسية.

وتشكل هذه الاستمرارية إحدى السمات الأساسية لنموذج بيت مال القدس. فهي تتيح للوكالة التفكير في عملها على المدى الطويل، وتجاوز منطق التدخلات المعزولة. فالتراث، بحكم طبيعته، يحتاج إلى الزمن: فالبيت التاريخي لا يمكن ترميمه في بضعة أسابيع؛ والحرفة التقليدية لا يمكن الحفاظ عليها بواسطة منحة واحدة؛ والذاكرة الجماعية لا يمكن صونها بمجرد نشر كتاب. ولذلك فإن الحماية تتطلب سياسات صبورة وتراكمية ومتعددة الأجيال.

من المعلم إلى الإنسان: تصور شامل للتراث

تكمن إحدى أهم إسهامات وكالة بيت مال القدس في تصورها الواسع للتراث. ففي إطار مقاربة تركز حصريًا على المعالم، يمكن اعتبار التراث متمثلًا في المساجد والكنائس والأسوار والمنازل التاريخية والأسواق والأبواب وغيرها من المنشآت المعمارية. وهذه المقاربة لا غنى عنها، لكنها غير كافية. فقد بينت الدراسات النقدية للتراث أن التراث لا يتكون فقط من الأشياء الموروثة من الماضي، وإنما يجري باستمرار انتقاؤه وتفسيره ونقله واستخدامه من قبل المجتمعات المعاصرة (Smith, 2006; Harrison, 2013).

وتندرج استراتيجية وكالة بيت مال القدس تحديدًا ضمن هذا التصور الحي للتراث. فالوكالة تعتبر الحفاظ على هوية القدس مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتحسين الظروف المعيشية لسكانها. وتشمل محفظة تدخلاتها التعليم والصحة والسكن وإعادة البناء والثقافة والتجارة والزراعة والشباب والرياضة والمساعدة الاجتماعية. وتشير بيانات الوكالة إلى توجيه موارد مهمة، خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2020، إلى قطاعات الشباب والرياضة والثقافة والمساعدة الاجتماعية والتعليم والصحة والسكن وترميم التراث التاريخي. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, n.d.-c)

وهذا التنوع ليس أمرًا عرضيًا. فهو يعكس فلسفة تقوم على أن المدينة لا تستطيع الحفاظ على تراثها إذا كان سكانها يعانون من الهشاشة الاقتصادية، أو إذا حُرم شبابها من فرص المستقبل، أو إذا عجزت الأسر عن صيانة مساكنها، أو إذا فقدت المؤسسات الثقافية قدرتها على العمل. ومن ثم فإن التراث المادي يعتمد على منظومة بشرية متكاملة.

ويتوافق هذا التصور كذلك مع التطور الذي شهدته النظرة الدولية إلى التراث. فالاتفاقية العالمية لعام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي تؤكد أهمية تحديد التراث وحمايته وصونه وعرضه ونقله إلى الأجيال القادمة، في حين أخذت سياسات التراث المعاصرة تدمج بصورة متزايدة مشاركة المجتمعات المحلية والبعد الاجتماعي للتراث (UNESCO, 1972).

فترميم منزل تاريخي، مثلًا، يكتسب دلالة أعمق بكثير عندما يظل المنزل مرتبطًا بأسرة أو حي أو حرفة أو نشاط تجاري. كما أن الحفاظ على سوق قديم يعني الحفاظ على ممارسات اقتصادية وعلاقات اجتماعية ومفردات ومعارف تجارية وتقاليد غذائية وأشكال من التواصل الاجتماعي. وقد يؤدي ترميم فضاء حضري دون الحفاظ على وظيفته الاجتماعية إلى تحويل المحافظة على التراث إلى عملية جمالية بحتة. أما الحفاظ على الوظيفة الاجتماعية للمكان التاريخي فيتيح للتراث أن يظل جزءًا من المدينة الحية.

ترميم التراث المبني: الحفاظ على الحجر وصون الذاكرة

يشكل الترميم المعماري أحد المجالات الأساسية في عمل وكالة بيت مال القدس. فقد طورت الوكالة مشاريع تهدف إلى ترميم وإعادة بناء وتحسين المباني التاريخية في المدينة القديمة والأحياء المحيطة بها. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2024e)

ويجب فهم هذه التدخلات في ضوء الهشاشة الخاصة التي يتسم بها تراث القدس. فالمدينة القديمة وأسوارها تمثل، وفق اليونسكو، موقعًا تتطلب أصالته وسلامته وقيمته الثقافية يقظة مستمرة. كما أن إدراجها على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر يؤكد أن الحفاظ على القدس ليس مجرد قضية وطنية أو إقليمية، وإنما هو قضية ذات أهمية بالنسبة إلى التراث الإنساني العالمي. (UNESCO World Heritage Centre, 1981–2026)

ومن ثم يكتسب الترميم معنى يتجاوز الجانب التقني. فالبيت القديم يحمل آثار أجيال متعددة؛ والزقاق يحتفظ بتنظيم مكاني موروث؛ والسوق يحافظ على جغرافيا تجارية تاريخية؛ والعمارة الدينية تحتفظ بالشواهد المادية لتاريخ روحي طويل. ولذلك فإن الترميم يعني الحفاظ على الاستمرارية الزمنية.

وتكتسب مقاربة وكالة بيت مال القدس أهمية خاصة عندما تقرن بين الترميم والتنمية. فالمبنى المرمم يمكن أن يستعيد وظيفته كسكن أو فضاء تجاري أو ورشة أو مركز ثقافي أو مرفق مجتمعي. وهكذا يصبح الحفاظ على التراث منتجًا؛ إذ يتيح للتراث أن يساهم مجددًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

وتؤكد التجربة الفلسطينية الأوسع هذه المقاربة. فقد ساهمت برامج مدعومة من اليونسكو في إعادة تأهيل عدد من المباني التاريخية وتحويل بعضها إلى مراكز مجتمعية ومدارس وفضاءات للنساء وأندية للشباب ومرافق ثقافية. وتبرز هذه التجارب إمكانية الربط بين صون التراث والتنمية المحلية وتعزيز الهوية الجماعية (UNESCO, 2023).

وهكذا يندرج عمل وكالة بيت مال القدس ضمن اتجاه دولي أوسع: فالتراث الأكثر قابلية للاستدامة هو التراث الذي يظل مفيدًا للمجتمعات التي تحتضنه.

بيت المغرب: عندما يصبح الحضور المغربي ذاكرة تراثية

من بين المبادرات ذات الدلالة الخاصة المركز الثقافي المغربي — «بيت المغرب» — الموجود في المدينة القديمة بالقدس. ولا تقتصر وظيفته على وظيفة مركز ثقافي تقليدي؛ فهو فضاء للذاكرة والبحث والعرض والتوثيق ونقل المعرفة المتعلقة بالعلاقة التاريخية بين المغرب والقدس.

ويتميز الحضور المغربي في القدس بعمق تاريخي خاص. فقد حافظت أجيال من المغاربة على روابط دينية وفكرية وتجارية وأسرية مع المدينة المقدسة. وكان الحي المغربي التاريخي، الواقع بالقرب من المسجد الأقصى، أحد أبرز مظاهر هذا الحضور. وقد أصبحت ذاكرة هذا الوجود المغربي جزءًا من الذاكرة التاريخية للقدس.

وتسعى الاستراتيجية المعاصرة لوكالة بيت مال القدس إلى توثيق هذه الذاكرة بدل تركها رهينة بالتقاليد الشفوية وحدها. ويكتسي تطوير منصة رقمية لـ«بيت المغرب» أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تهدف إلى توثيق وأرشفة التراث الإنساني والثقافي للقدس.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في العصر الرقمي. فالمنصات الرقمية قادرة على حفظ الصور والشهادات والوثائق والخرائط والروايات والأشياء والسير الذاتية والتقاليد والإنتاجات الفنية التي قد تتعرض للتشتت أو الضياع. وهكذا يصبح التراث متاحًا أمام جيل جديد لا يستطيع دائمًا الوصول مباشرة إلى الأماكن التي نشأ فيها ذلك التراث.

كما تتيح التكنولوجيا الرقمية دمقرطة الوصول إلى الذاكرة. فأصبح بإمكان شاب في القدس أو الرباط أو الدار البيضاء أو باريس أو مونتريال الوصول إلى عناصر من هذه الذاكرة دون أن يكون حاضرًا بالضرورة داخل المدينة القديمة. ومن ثم تكتسب ذاكرة القدس بُعدًا عابرًا للحدود.

صون التراث غير المادي: من ذاكرة الحجارة إلى ذاكرة الإنسان

لعل أعمق إسهامات وكالة بيت مال القدس تتمثل في دعمها للتراث الثقافي غير المادي. ويشمل هذا التراث التقاليد الشفوية والمعارف التقليدية والحرف والممارسات الزراعية والاحتفالات وأشكال التعبير الفني والممارسات الغذائية والروايات وأشكال التواصل الاجتماعي. وتؤكد اليونسكو أن التراث الثقافي غير المادي يظل حيًا تحديدًا لأنه يعاد إنتاجه ونقله باستمرار من قبل الجماعات (UNESCO, 2003).

وتقدم الحالة الفلسطينية مثالًا بالغ القوة في هذا المجال. فقد أدرج فن التطريز الفلسطيني سنة 2021 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو (UNESCO, 2021). وتصف اليونسكو التطريز بأنه ممارسة منتشرة بين المجتمعات الفلسطينية وفي الشتات، وأنه يتضمن معارف ومهارات تنتقل عبر الأجيال، ولا سيما بين النساء.

غير أن حماية مثل هذه المهارات تتطلب أكثر من الاعتراف الرمزي. فهي تحتاج إلى خلق فرص اقتصادية، ودعم الحرفيين، وتيسير الانتقال بين الأجيال، وتوثيق التقنيات، وإشراك الشباب في عملية التعلم. وهنا تكتسب برامج وكالة بيت مال القدس بعدًا تراثيًا مهمًا بصورة خاصة. فمبادرات التجارة الإلكترونية والتجارة التضامنية تهدف إلى تمكين الجمعيات والحرفيين والمؤسسات والمنتجين في القدس من تسويق منتجاتهم عبر المنصات الإلكترونية.

وتتميز هذه المقاربة بمنطقها الخاص: فالتراث يصبح موردًا اقتصاديًا دون أن يتحول إلى مجرد سلعة. فلم تعد الحرفة تُنظر إليها باعتبارها مجرد بقايا فولكلورية من الماضي؛ بل أصبحت قطاعًا للإبداع والعمل ونقل المعرفة والتمكين الاقتصادي. وتنسجم هذه المقاربة مع الاتجاهات الدولية التي ترى في المعارف والحرف التقليدية إمكانات لتعزيز الإدماج الاجتماعي والتشغيل وريادة الأعمال الثقافية عندما تظل المجتمعات في قلب العملية.

ومن ثم فإن الحفاظ على التراث غير المادي هو أيضًا سياسة للكرامة. فهو يقول للمجتمعات إن معارفها وتقنياتها وممارساتها اليومية تمتلك قيمة تاريخية وثقافية. وهكذا يصبح التراث شكلًا من أشكال الرأسمال الاجتماعي.

شجرة الزيتون والزراعة والمشهد الثقافي: حماية الأرض لحماية الذاكرة

يكشف عمل وكالة بيت مال القدس في المجال الزراعي عن بُعد آخر أساسي من أبعاد حماية التراث، وهو حماية المشهد الثقافي. فالزراعة، ولا سيما زراعة الزيتون، ليست مجرد نشاط اقتصادي؛ إنها ترتبط بعمق بالتاريخ الاجتماعي الفلسطيني، وبالعلاقة مع الأرض، وبنقل المعارف الزراعية.

وقد اعترفت اليونسكو بالقيمة الاستثنائية للمشهد الثقافي في بتير، جنوب القدس، حيث تشهد المصاطب الزراعية والمسالك وأنظمة الري التقليدية على تاريخ طويل من تكيف الإنسان مع بيئته (UNESCO, 2014). ويؤكد هذا التراث أهمية مشاركة المجتمع المحلي في الحفاظ على المشاهد الثقافية.

وفي هذا السياق، تكتسب حملة «عونة» التي تدعمها وكالة بيت مال القدس أهمية تتجاوز مجرد المساعدة الزراعية. فقد وفرت الوكالة معدات وأدوات لفائدة عدد من الفلاحين في قرى وبلدات ضمن محافظة القدس. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2024d, 2025e)

وهكذا تصبح شجرة الزيتون رمزًا بالغ القوة للعلاقة بين التراث المادي والتراث غير المادي والصمود. فالشجرة جزء من المشهد الطبيعي؛ وتقنيات زراعتها جزء من التراث غير المادي؛ وزيتها جزء من الاقتصاد الأسري؛ وموسم جنيها مناسبة اجتماعية جماعية؛ أما الأرض نفسها فتحمل ذاكرة الأجيال.

ومن ثم فإن حماية شجرة الزيتون تعني حماية اقتصاد ومعرفة ومشهد طبيعي وتقويم اجتماعي وعلاقة متوارثة مع الأرض.

الشباب: نقل القدس إلى الذين سيحملون ذاكرتها

لا يمكن لأي سياسة تراثية أن تكون مستدامة إذا لم تستهدف الشباب. فالجيل الذي لا يعرف تاريخه معرض لأن يرث تراثًا مجزأً؛ أما الجيل الذي يفهم تاريخه فيمكن أن يصبح أفضل حارس له.

ولهذا طورت وكالة بيت مال القدس عددًا من البرامج الموجهة إلى الأطفال والمراهقين. ويسهم نادي أطفال القدس والمخيمات الصيفية والأنشطة الثقافية والمنشورات الموجهة للشباب والمبادرات الرقمية في استراتيجية نقل الذاكرة هذه. وتتيح المخيمات الصيفية السنوية للأطفال القادمين من القدس التعرف إلى المغرب وتاريخه وثقافته والروابط التاريخية التي تجمعه بالقدس. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2025d)

وتكتسي هذه المبادرات قيمة ثقافية خاصة. فأطفال القدس ليسوا مجرد مستفيدين من عمل اجتماعي؛ إنهم حَمَلة الذاكرة المستقبلية للمدينة. وتمكينهم من اكتشاف المغرب وتاريخه وتقاليده وعلاقته بالقدس يساهم في تعزيز ذاكرة مشتركة.

كما تعزز الاستراتيجية الرقمية هذا البعد. فالأدوات التعليمية الرقمية تُستخدم بصورة متزايدة لتعريف الأطفال والشباب بتاريخ القدس وقيمها وأهميتها الثقافية. وتشمل الاستراتيجية الرقمية للوكالة كذلك مبادرات للتعليم عن بعد، بما يؤكد سعيها إلى تكييف نقل التراث مع أنماط التعليم المعاصرة.

ويكتسي هذا التحول الرقمي أهمية جوهرية. فلم يعد من الممكن تصور حماية التراث حصريًا في إطار الأرشيفات المادية. بل يجب أيضًا إنتاج محتويات سمعية بصرية، وأرشيفات رقمية، وتطبيقات تعليمية، ومكتبات إلكترونية، ومعارض تفاعلية وخرائط تاريخية افتراضية. وهكذا تصبح الذاكرة متنقلة ومتاحة وتشاركية.

التعليم والبحث وإنتاج المعرفة: صون التراث عبر المعرفة

تتطلب المحافظة الحقيقية على التراث إنتاج المعرفة. فما لا يوثق معرض للاندثار، وما لا ينقل معرض لأن يصبح غير مفهوم، وما لا يوضع في سياقه قد يتحول إلى مجرد صورة سطحية.

ويشكل مركز «بيت المقدس» للبحوث والدراسات، الموجود بمقر الوكالة في الرباط، مؤسسة مهمة في هذا المجال. فهو يدعم المشاريع البحثية والدراسات العلمية والمنشورات والمنح والمسابقات والمبادرات العلمية، كما يساهم في حفظ الموارد الوثائقية المتعلقة بتاريخ القدس وفلسطين.

وقد تعزز هذا البعد العلمي بإحداث كرسي للدراسات المغربية في جامعة القدس. ويهدف هذا الكرسي، الذي أنشئ من خلال التعاون بين وكالة بيت مال القدس الشريف و«بيت المغرب»، إلى تعميق دراسة التاريخ والتراث المغربيين وتوثيق العلاقات التاريخية والثقافية بين المغرب وفلسطين. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2025b, 2025c)

وتكتسي هذه المبادرة أهمية كبيرة من منظور التراث. فالذاكرة لا ينبغي أن تُحتفى بها فقط؛ بل يجب أن تخضع للدراسة العلمية. فالبحث الأكاديمي يسمح بالتمييز بين الأدلة التاريخية وإعادة بناء الأساطير بأثر رجعي، وإبراز قيمة الأرشيفات، وتحديد أشكال التراث المهددة، وتطوير مناهج علمية لصيانتها.

ومن ثم فإن الإنتاج الفكري يشارك بصورة مباشرة في حماية القدس. فهو يحول الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة على النقل والاستمرارية.

المرأة والاقتصاد الاجتماعي والتمكين: التراث باعتباره تنمية بشرية

يمثل دور المرأة بُعدًا آخر أساسيًا في عملية إحياء التراث. ففي كثير من المجتمعات التقليدية، تعد النساء الحاملات الرئيسيات للمعارف المرتبطة بالحرف والتطريز والطهي والممارسات المنزلية والروايات الأسرية ونقل الثقافة.

ومن ثم فإن عمل وكالة بيت مال القدس في دعم النساء والفئات الهشة يسمح بمقاربة التراث من منظور التنمية البشرية. وتشمل برامجها الاجتماعية مبادرات لفائدة النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم من الفئات الهشة.

وهذه المقاربة أساسية لأن الهشاشة الاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى انقطاع في نقل التراث. فعندما تواجه الأسرة صعوبات اقتصادية كبيرة، قد تصبح عملية نقل المعرفة التقليدية مسألة ثانوية. وعندما لا يجد الحرفي سوقًا لمنتجاته، يمكن أن تنقرض حرفته. وعندما يترك الشباب المهن التقليدية دون توفير إمكانات لتحديثها، يمكن أن يختفي جزء من التراث غير المادي.

ولهذا ينبغي لسياسة التراث أن تجعل عملية نقله قابلة للحياة اقتصاديًا واجتماعيًا. ومن ثم تصبح التجارة التضامنية والتكوين المهني والمنصات الرقمية وريادة الأعمال الثقافية أدوات تراثية بقدر ما هي أدوات اقتصادية.

الصحة والسكن: الشروط المادية للاستمرارية الثقافية

لا يمكن فصل التراث عن ظروف العيش. فالمدينة التاريخية لا تظل حية إلا إذا كان سكانها قادرين على السكن فيها، والحصول على الرعاية الصحية، وتعليم أبنائهم، وممارسة أنشطتهم الاقتصادية.

ولهذا فإن تدخلات وكالة بيت مال القدس في مجالي الصحة والسكن تحمل أهمية تراثية غير مباشرة لكنها حاسمة. فقد خصصت الوكالة موارد مهمة لهذه المجالات منذ بداية نشاطها. وتشير بياناتها الرسمية إلى أن المشاريع والبرامج المتعلقة بالسكن وترميم التراث والمباني التاريخية بلغت 9.5 مليون دولار خلال الفترة 2000–2020، فيما بلغت الاستثمارات في الصحة 5.45 مليون دولار والتعليم 11.32 مليون دولار، بينما بلغت المشاريع الخاصة بالشباب والرياضة والثقافة والمساعدة الاجتماعية 30.3 مليون دولار. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, n.d.-c)

وتكتسي مسألة السكن أهمية خاصة. فترميم منزل تاريخي مع إخراج سكانه منه قد يحوله من فضاء حي إلى مجرد واجهة تراثية. أما إعادة تأهيل السكن مع تمكين الأسر من البقاء في أحيائها، فتساهم في الحفاظ على الاستمرارية الاجتماعية للمدينة.

وتؤكد التقارير الحديثة للوكالة أهمية المساعدة الاجتماعية والتنمية البشرية في القدس، ولا سيما في سياق اقتصادي وأمني بالغ الصعوبة. كما تعكس تدخلاتها في الصحة والتعليم إدراكًا واضحًا بأن الاستمرارية الثقافية تحتاج إلى شروط اجتماعية قابلة للحياة.

وهذه المقاربة تجسد تصورًا حديثًا للتراث: فالحفاظ على المدينة يقتضي الحفاظ على مجتمعها.

الحادي عشر — التراث والدبلوماسية الثقافية: القدس فضاء للحوار

لا ينبغي فهم البعد الدبلوماسي لوكالة بيت مال القدس في إطار العلاقات بين الدول فقط. فالوكالة تطور أيضًا دبلوماسية ثقافية من خلال التبادلات الأكاديمية والمنشورات والمعارض وبرامج الشباب والتعاون المؤسسي وتعزيز التنوع الثقافي للقدس.

ويشكل «نداء القدس» الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس وقداسة البابا فرنسيس سنة 2019 مرجعًا مهمًا في هذا السياق. فقد قدم القدس باعتبارها تراثًا مشتركًا للإنسانية وفضاءً للقاء والتعايش السلمي والاحترام المتبادل والحوار بين الديانات التوحيدية الثلاث.

ويتيح هذا التصور توسيع مفهوم حماية التراث. فالحفاظ على القدس لا يعني فقط حماية هوية معينة من هوية أخرى؛ بل يعني أيضًا صون التعدد التاريخي للمدينة. فقيمة المدينة الاستثنائية تكمن على وجه التحديد في كونها فضاءً تلاقت فيه تاريخيًا ذكريات وتقاليد وجماعات متعددة.

ومن هذا المنظور، يمكن أن تصبح حماية التراث لغة للدبلوماسية. فالمعالم تتحدث، لكن المكتبات تتحدث أيضًا؛ والحرفيون يتحدثون؛ والطلاب يتحدثون؛ والأطفال يتحدثون؛ والأرشيفات تتحدث. ويصبح التراث لغة للحوار عندما يكون هدفه إضاءة التاريخ وليس محوه.

ويتوافق هذا البعد مع المقاربة الدولية لليونسكو، التي ترى أن صون التراث الثقافي غير المادي ينبغي أن يسهم في احترام التنوع الثقافي ونقل المعرفة وتعزيز التفاهم المتبادل (UNESCO, 2003).

الثورة الرقمية: من الحفظ المادي إلى الذاكرة الرقمية

من أبرز التحولات التي شهدتها وكالة بيت مال القدس الشريف دخولها مرحلة تكنولوجية جديدة. وتقوم استراتيجيتها الرقمية على عدد من المحاور، منها توثيق التراث، واحتضان الشركات الناشئة، والتجارة الإلكترونية التضامنية، والتعليم عن بعد، والتطبيقات الموجهة إلى الشباب.

ويؤدي هذا التحول إلى إعادة صياغة مفهوم التراث نفسه. فمن الممكن رقمنة مخطوطة، وترميم صورة وأرشفتها، وتسجيل شهادة شفوية، وتصوير حرفة تقليدية، وإنشاء نموذج رقمي لمبنى تاريخي، وتحويل معرض إلى صيغة افتراضية، ورسم مسار تاريخي على خريطة رقمية.

غير أن التكنولوجيا الرقمية لا تحل محل الحفظ المادي، بل تكمله. فالصورة الرقمية لا يمكن أن تحل محل المنزل التاريخي، كما أن تسجيل مراسم ما لا يمكن أن يحل محل المراسم نفسها. وتتمثل قيمة التكنولوجيا الرقمية في قدرتها على التوثيق والنشر والتعليم والنقل.

وتشكل منصة «بيت المغرب» مثالًا واضحًا على هذه الفلسفة، باعتبارها آلية لتوثيق وأرشفة تراث القدس. فهي تضع حماية التراث داخل سياق القرن الحادي والعشرين، وتربط بين الحفظ المادي والذاكرة الرقمية المستدامة.

كما أن دعم الوكالة للشركات الناشئة الفلسطينية ومبادرات الابتكار يؤكد أن التكنولوجيا الرقمية لا ينظر إليها فقط كأداة توثيق، وإنما كذلك كوسيلة للتنمية الاقتصادية وتمكين الشباب وتشجيع الابتكار. (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2026a)

وكالة بيت مال القدس والصمود: إعادة التفكير في حماية القدس

أصبح مفهوم الصمود محوريًا في السياسات المعاصرة المتعلقة بحماية المدن التاريخية. ويشير الصمود إلى قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات، والحفاظ على وظائفه الأساسية، وإعادة بناء قدراته على الفعل.

وفي حالة القدس، يمتلك الصمود أبعادًا اجتماعية وثقافية واقتصادية وتراثية. فالوكالة لا تسعى فقط إلى إصلاح نتائج الأزمات، وإنما تعمل على تعزيز القدرات التي تمكن السكان من مواجهة الأزمات المستقبلية.

وتعكس المقاربة الحديثة للوكالة هذا المنطق بصورة واضحة، إذ تعتمد بصورة متزايدة على الرصد والتقييم والمعطيات لتحديد المجالات التي تحتاج إلى الدعم وتكييف أولوياتها تبعًا لذلك. وتقرب هذه المقاربة العمل التراثي من أنماط الحكامة العمومية المعاصرة القائمة على الأدلة والمعطيات.

وهكذا يصبح الصمود بنية مؤسسية. فالوكالة ترصد وتحدد وتمول وتنفذ وتقيم وتعيد توجيه تدخلاتها. ولذلك فهي لا تعمل فقط باعتبارها آلية خيرية، وإنما تقترب بصورة متزايدة من كونها أداة للتنمية الترابية والبشرية.

وتكتسي هذه النقلة أهمية خاصة في مدينة يتعرض تراثها لضغوط متعددة. فالحماية المستدامة تتطلب التنسيق بين الأبعاد المعمارية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والبيئية والثقافية. وتعمل وكالة بيت مال القدس بصورة تدريجية على بناء هذا النوع من التكامل المؤسسي.

وكالة بيت مال القدس عند تقاطع التراث المادي وغير المادي

من أبرز إنجازات وكالة بيت مال القدس أنها رفضت عمليًا الفصل المصطنع بين التراث المادي والتراث غير المادي.

فالمنزل التاريخي ينتمي إلى التراث المادي، لكن تقنيات البناء التي أتاحت تشييده تنتمي إلى التراث غير المادي. وبستان الزيتون يمثل مشهدًا ثقافيًا، بينما تنتمي المعارف الزراعية اللازمة لصيانته إلى التراث غير المادي. والتطريز منتج مادي، لكن معرفة المطرزة ومهاراتها تمثل تراثًا غير مادي. والمكتبة مبنى، لكن الروايات والمخطوطات والمعارف التي تحفظها تنتمي إلى الذاكرة الجماعية.

وتؤكد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 هذه العلاقة المتداخلة بين الممارسات الثقافية والمجتمعات وسياقاتها المادية والبيئية (UNESCO, 2003).

وتمنح هذه الرؤية قدرًا كبيرًا من الانسجام لمختلف برامج الوكالة. فقد تبدو عملية ترميم المباني ودعم الحرفيين والتوثيق والبرامج التعليمية والزراعة والأنشطة الثقافية والمخيمات الصيفية والمبادرات الرقمية قطاعات منفصلة؛ لكنها في الواقع تشكل نظامًا واحدًا هو نظام الاستمرارية الثقافية.

ومن ثم فإن الإحياء الحقيقي للتراث لا يعني الحفاظ على الماضي كما هو دون تغيير، وإنما يعني تمكين الماضي من الاستمرار في إنتاج المعنى في الحاضر والمستقبل.

دبلوماسية القرب القائمة على الإنجازات الملموسة

يعكس عمل وكالة بيت مال القدس الشريف أيضًا تحولًا أوسع في الدبلوماسية المعاصرة. فإلى جانب الدبلوماسية التقليدية للدول، توجد دبلوماسية للقرب تقوم على السكان والجامعات والجماعات المحلية والجمعيات والمؤسسات الثقافية والفاعلين المهنيين.

وفي حالة القدس، تكتسب هذه الدبلوماسية أهمية خاصة. فقد يكون البيان السياسي ضروريًا، لكنه يظل مجردًا ما لم يتحول إلى مدرسة تم تجديدها، أو أسرة تلقت الدعم، أو حرفي تم تمكينه، أو مكتبة تم تجهيزها، أو فلاح تلقى المساعدة، أو منزل تم ترميمه، أو طفل أصبح أكثر وعيًا بتراثه.

وتؤكد المعطيات الحديثة استمرار هذا النهج. فقد واصلت وكالة بيت مال القدس تنفيذ مشاريع وتدخلات في القدس (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2024c, 2025a)، إلى جانب العمل الإنساني والإصلاحات المؤسسية الرامية إلى تحسين فعالية برامجها واستدامتها (Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency, 2024a). وتشير التقارير الرسمية للوكالة إلى استمرار الاستثمار في المجالات الاجتماعية والثقافية والتعليمية والتنموية، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو رؤية مؤسساتية طويلة الأمد.

ويشير هذا التطور إلى أن وكالة بيت مال القدس تنتقل تدريجيًا من منطق التدخل إلى منطق مؤسسي طويل الأمد. فأصبحت مصداقيتها تعتمد ليس فقط على عدد المشاريع التي تنفذها، وإنما كذلك على جودتها وحكامتها وشفافيتها وتقييمها وقدرتها على إحداث آثار مستدامة.

الخاتمة — إبقاء القدس حية من أجل الحفاظ على روحها

يمكن قراءة تاريخ وكالة بيت مال القدس الشريف باعتباره تاريخ مؤسسة نجحت تدريجيًا في تحويل التضامن مع القدس إلى سياسة شاملة للحضور والحماية والتنمية البشرية. فقد نشأت انطلاقًا من الرغبة في توفير مؤسسة قادرة على تحويل عمل لجنة القدس إلى أفعال ملموسة، ثم تطورت لتصبح أداة متعددة الأبعاد تتكامل فيها عملية الترميم المعماري مع المساعدة الاجتماعية والتعليم والصحة والزراعة والثقافة والشباب والبحث العلمي والتكنولوجيا الرقمية.

ولعل أهم إسهاماتها تتمثل في فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: لا يمكن حماية مدينة بصورة حقيقية من خلال حماية معالمها وحدها. إن حماية المدينة تعني تمكين سكانها من الاستمرار في العيش فيها والعمل فيها والتعليم والإبداع ونقل تقاليدهم وبناء مستقبلهم. ولذلك فإن التراث لا ينفصل عن الكرامة الإنسانية.

إن ترميم منزل قديم يحمي الذاكرة المادية؛ والمساعدة السكنية تحمي الاستمرارية الإنسانية. وترميم مركز ثقافي يحمي فضاءً؛ وتعليم الأطفال يحمي الذاكرة. ودعم الحرفي يحمي حرفة؛ والمنصة الرقمية تحمي نقلها. ودعم زراعة الزيتون يحمي محصولًا؛ لكنه يحمي كذلك مشهدًا طبيعيًا ومعرفة واقتصادًا أسريًا وعلاقة متوارثة مع الأرض.

وهذه العلاقة المتبادلة هي التي تمنح وكالة بيت مال القدس طابعها المميز. فعملها يشارك في بناء شكل من أشكال دبلوماسية التراث، يصبح فيها التراث في الوقت ذاته موضوعًا للحماية وأداة للتنمية ومستودعًا للذاكرة ولغة للتضامن.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي فهم إحياء القدس باعتباره مجرد استعادة للماضي. إنه مشروع للاستمرارية التاريخية. فالهدف ليس فقط الحفاظ على ما كان، وإنما تمكين ما كان من أن يظل حيًا في الحاضر وأن يستمر نقله إلى المستقبل.

وتؤكد اليونسكو أن صون التراث المادي يتطلب حمايته والحفاظ عليه ونقله، في حين تعرف اتفاقية 2003 صون التراث غير المادي من خلال التعرف إليه وتوثيقه والبحث فيه وحمايته والترويج له ونقله وإحيائه (UNESCO, 2003). وتتحرك ممارسة وكالة بيت مال القدس بصورة متزايدة في هذا الاتجاه: من المحافظة إلى الإحياء، ومن الحجر إلى الإنسان، ومن الأشياء إلى المجتمعات، ومن الأرشيف إلى النقل، ومن المساعدة الظرفية إلى الصمود.

وعلى هذا الأساس، فإن إحياء القدس يتجاوز بكثير كونه سياسة للمحافظة على التراث. إنه يمثل فلسفة للاستمرارية: نحافظ لكي ننقل، وننقل لكي نحافظ على الحياة، ونحافظ على الحياة لكي تظل المدينة المقدسة، بالنسبة إلى الأجيال الحاضرة والمقبلة، تراثًا روحيًا وتاريخيًا وثقافيًا ذا قيمة إنسانية عالمية.

وتقاس عظمة سياسة التراث في نهاية المطاف ليس بعدد المعالم التي تم ترميمها فقط، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مجتمع قادر على التعرف إلى موروثه واحتضانه والعيش في ظله ونقله وتجديده. ومن هذا المنظور، تمنح أعمال وكالة بيت مال القدس الشريف التضامن مع القدس بُعدًا ملموسًا ومستدامًا. فهي تسهم في جعل المدينة المقدسة ليست ذاكرة جامدة، وإنما تراثًا حيًا؛ وليست متحفًا لحضارات زالت، وإنما مدينة تستمر فيها الذاكرة في إنتاج المعنى؛ وليست مجرد رمز للماضي، وإنما فضاء تستطيع فيه الثقافة والتاريخ والروحانية والكرامة الإنسانية أن تستمر في الحوار.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى عمل وكالة بيت مال القدس باعتباره مشروعًا متكاملًا للصون: حماية الجدران، ولكن أيضًا الأسر؛ ترميم المباني، ولكن أيضًا المهارات؛ دعم المؤسسات، ولكن أيضًا الشباب؛ حفظ الأرشيفات، ولكن أيضًا الروايات؛ حماية المشاهد الطبيعية، ولكن أيضًا الممارسات التي تمنحها الحياة.

إن القدس مدينة للذاكرة. غير أن الذاكرة الحية حقًا لا تكتفي بالنظر إلى الوراء؛ إنها تبني المستقبل.

المراجع

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2024a). Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency: Sustained action on the ground despite a difficult security situation. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2024b). Bayt Mal Al-Quds Agency achievements exceed $13.8 million from 2019–2024. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2024c). Bayt Mal Al-Quds Agency presents its projects in Al-Quds. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2024d). Al-Quds: Launch of the “Aouna” olive harvest campaign. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2024e). Bayt Mal Al-Quds Agency announces restoration and reconstruction projects in Jerusalem. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2025a). Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency presents its 2025 activity report in Jerusalem. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2025b). Chair of Moroccan Studies launched at Al-Quds University. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2025c). The participants in the second scientific meeting of the Chair of Moroccan Studies highlight the reasons for the settlement of Moroccans in Jerusalem. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2025d). Tangier hosts the 16th annual summer camp for children from Jerusalem. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2025e). BMAQ finances projects to strengthen the capacities of Palestinian farmers in the Jerusalem Governorate. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (2026a). Palestinian start-ups participate in the fourth edition of GITEX Africa with the support of the Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. Bayt Mal Al-Quds Acharif.

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (n.d.-a). Mission and objectives. Bayt Mal Al-Quds Acharif. https://www.bmaq.org/en/

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (n.d.-b). Comité Al-Qods : Les missions. Bayt Mal Al-Quds Acharif. https://www.bmaq.org/fr/comite-dalqods/les-missions/

Bayt Mal Al-Quds Acharif Agency. (n.d.-c). Chiffres et réalisations, 2000–2020. Bayt Mal Al-Quds Acharif. https://www.bmaq.org/fr/

Harrison, R. (2013). Heritage: Critical approaches. Routledge.

Smith, L. (2006). Uses of heritage. Routledge.

UNESCO. (1972). Convention concerning the protection of the world cultural and natural heritage. UNESCO World Heritage Centre.

UNESCO. (2003). Convention for the safeguarding of the intangible cultural heritage. UNESCO.

UNESCO. (2014). Palestine: Land of Olives and Vines—Cultural Landscape of Southern Jerusalem, Battir. UNESCO World Heritage Centre.

UNESCO. (2021). The art of embroidery in Palestine, practices, skills, knowledge and rituals. UNESCO Intangible Cultural Heritage.

UNESCO. (2023). 75 steps towards preserving Palestinian cultural heritage: Local development through the rehabilitation and revitalization of the historic built environment in Palestine. UNESCO.

UNESCO World Heritage Centre. (1981–2026). Old City of Jerusalem and its Walls. UNESCO World Heritage Centre.

محمد اشتاتو، أستاذ جامعي، مستشار ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى