sliderآراء

إمارة المؤمنين: تفرد مغربي (3) – بقلم محمد جلماد

أصبح تأطير الحقل الديني مشحوناً بالرؤية التحديثية الجديدة التي يتبناها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في مقاربة العلاقات بين الإسلام، والعالم، والسياسة؛ وهي رؤية شكلت حتى الآن حصناً منيعاً ضد النـزوعات والانحرافات الإيديولوجية، مع الحفاظ على الهوية الجماعية للشعب المغربي


  إعادة هيكلة الحقل الديني خدمةً للوحدة والأمن الروحي

 يعكس الالتزام الملكي بإصلاح الحقل الديني حرصاً موصولاً على صون الوحدة العقائدية للأمة، وهو حرص يتلازم تماماً مع الواجب الدستوري المتمثل في حماية الوحدة الوطنية. وفي هذا الإطار، تندرج الإصلاحات المتعلقة بتجديد بنيات المجلس العلمي الأعلى، وتأهيل الأئمة، وتثمين دور المساجد، فضلاً عن العناية البالغة الموجهة للمرأة العالمة في مجال الحياة الأسرية والتدبير الأمثل للقضايا الخاصة بالمرأة.

« منذ أن تولينا أمانة قيادة إمارة المؤمنين، ملتزمين بالبيعة المقدسة وما تمليه علينا من واجبات حماية الدين وأهله، ما فتئنا نولي الشؤون الدينية أسمى عنايتنا، ساهرين على أن تؤدي المؤسسات القائمة عليها المهام المنوطة بها على أكمل وجه، وأن تحظى أوضاع القائمين على الشأن الديني بكل الرعاية المطلوبة. وإن نهجنا هذا يندرج في سياق استمرارية المسار الذي سلكه أسلافنا الميامين للحفاظ على الأمن الروحي للمغرب ووحدة المذهب المالكي ».

( مقتطف من الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- بتاريخ 30أبريل 2004، المتعلق بإعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب. )

وعلى الصعيد الإعلامي، تحقق قنوات وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، التي أُحدثت بمبادرة سامية من صاحب الجلالة الملك أمير المؤمنين، نجاحاً باهراً وتأثيراً وإشعاعاً يتجاوز حدود المملكة. كما أولى جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- اهتماماً خاصاً لإعادة الاعتماد للتعليم الأصيل والمدارس القرآنية، تكريساً لدورها الطليعي في التأطير الديني.

وتجسد الدروس الحديثية والحسنية التي يترأسها أمير المؤمنين خلال شهر رمضان المبارك العناية الموصولة التي يحيط بها السير الشأن الديني؛ إذ أكدت هذه الدروس على تميز المملكة كأرض لإشعاع إسلام سمح ومعتدل، كما شهدت في عهد جلالة الملك محمد السادس -رعاه الله- تجديداً نوعياً من خلال إشراك وإسهام المرأة العالمة فيها.

ووفاءً لهذه المقاربة المجددة في الشأن الديني، ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- يوم الجمعة 12 يونيو 2014، حفل تقديم “خطة دعم” التأطير الديني على المستوى المحلي. وتبرز هذه الخطة الاستثنائية للنموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، وهو النموذج الذي يحظى باهتمام بالغ على الصعيدين القاري والدولي. وقد أكد بلاغ للديوان الملكي أن هذه الخطة تروم تحصين المساجد من أي استغلال، والرفع من مستوى التأهيل لخدمة القيم الدينية، لا سيما قيم المواطنة، بما يتوافق مع ثوابت المذهب المالكي الذي اعتمده المغاربة.

علاوة على ذلك، يتميز إشراف المؤسسة الملكية على الحقل الديني بحكامة عقلانية وتدبير أكثر انفتاحاً للمسألة الدينية.

أسس الشرعية الدينية:

يبرز نموذج الخلافة وعقد البيعة المركزية الطليعية للدين في منظومة شرعية الملكية بالمغرب؛ إذ يُعتبر وجود مؤسسة الخلافة أمراً حتمياً لا غنى عنه لتجنب “الفتنة”، والتي تعني الفوضى السياسية والدينية. ومن هنا، تنبع ضرورة سلطتها الشمولية باعتبارها نيابة عن صاحب الشريعة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

الملك: أمير المؤمنين:

  يُعد هذا اللقب من الصفات والركائز الأساسية للملكية، والتي تجعل من الحائز عليه، أي العاهل المغربي، دعامة للشرعية الدينية؛ فهو رئيس جماعة المؤمنين، وهي جماعة سياسية بالأساس وفق المنظور الإسلامي. وبصفتـه هذه، فهو الحارس اليقظ لإجماع المسلمين، الذي يمنح دلالة لوجود الجماعة التي يظل قوامها الثقافي والتاريخي الأساسي هو الإسلام السني. وبناءً عليه، فهو يتمتع بصلاحيات مضبوطة بحدود أحكام القرآن والسنة، غير أن التأويل العام المعتمد في هذا الباب يظل واسعاً وشاملاً.

  وبهذه العبارات، يعلق الأستاذ عبد اللطيف المنوني على لقب “أمير المؤمنين” الممنوح لملك المغرب، والذي يرسخ التقاليد المغربية الأصيلة في تدبير الشأن الديني.

  وفي هذا الصدد، ينص الفصل 41 من الدستورعلى ما يلي:

« الملك، أمير المؤمنين، حامي حمى الدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. يترأس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه. ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسمياً، في شأن المسائل المحالة إليه، استناداً إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة. تحدد صلاحيات المجلس وتكوينه وكيفيات سيره بظهير. يمارس الملك بظهائر الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، المخولة له حصرياً بمقتضى هذا الفصل ».

  إن هذا المقتضى الدستوري مشحون برمزية دينية بالغة القوة، تضع السير في قلب الدستور وفوقه، مأمنةً له قدسية صلاحياته الروحية والزمنية. وتشمل هذه القدسية أيضاً الشخص المادي والبدني للملك، بحيث يُحصن من أي مساس مادي أو معنوي، ومحمياً من أي متابعة قضائية بموجب العقوبات الصارمة التي ينص عليها القانون الجنائي؛ فلا يمكن أن يكون محط انتقاد أو تمثيل كاريكاتوري، كما أن الأعمال والقرارات الملكية ( الظهائر والرسائل السامية ) لا يمكن انتقادها بأي شكل من الأشكال، وهي غير قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة.

  وتجد هذه القدسية لإمارة المؤمنين جوهرها في “عقد البيعة” الشرعي الذي يربط الشعب المغربي بملكه؛ وهو عقد لا يقبل نقضاً أو مساساً، لما في ذلك من إخلال بالعهد الديني ومساس برمزية التقوى الإسلامية.

  وتتعزز هذه الرؤية بإجماع الأئمة الأعلام والأمة الإسلامية على المشروعية الفقهية والقانونية لتنصيب الإمام وإقامة الخلافة، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾.

  كما تبرز أحاديث الرسول ﷺ مكانة الأئمة ووجوب طاعتهم واحترامهم، كما جاء في مأثور السُنّة: « السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الأَرْضِ »، وفي الأثر: « من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة »، وكذا: « من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ». وقال أيضاً ﷺ: « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ».

  من جهة أخرى، فإن ما يميز النظام السياسي المغربي عن غيره هو أن اختيار رئيس الدولة لا يخضع لآليات الاقتراع العام المباشر، بل يستند بالأساس إلى محدد “النسب الشريف”. ويؤكد عدد من الفقهاء والشرعيين وجوب انتساب الإمام إلى آل البيت الأطهار، وهي قاعدة تاريخية مرجعية راسخة.

  وتتمتع الدولة العلوبة الشريفة برصيد جيني ونسبي يربطها مباشرة بالدوحة النبوية الشريفة، وهو محل إجماع الأمة قاطبة؛ ولذلك فإن اختيار أمير المؤمنين لا يطرح أي إشكال في المغرب، بل ينبثق من انخراط الجماعة الوطنية في عقد البيعة الشرعي المتبادل الذي يجمع الملك بالشعب، والمتوافق تماماً مع مقاصد الشريعة الإسلامية.

  إن صفة أمير المؤمنين تخول لجلالة الملك ممارسة صلاحيات حصرية عدة في المجال الديني؛ فبالإضافة إلى ضمان استمرارية الهوية الإسلامية للدولة، وإمامة الصلوات، وتدبير شعيرة الحج، فإن جلالته ساهر على حماية حمى الدين، ويحدد بظهائر شريفة ( وليس بمرسوم تنفيذي ) هيكلة واختصاصات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو السلطة الوحيدة المؤهلة لإحداث المؤسسات الدينية ( مثل المجلس العلمي الأعلى ).

  ومن المنظور السوسيولوجي، يستجيب مقام إمارة المؤمنين لحاجة الجماعة الوطنية في صون لحمتها وتعزيز تماسكها ووحدتها. وفي إطار هذه المقاربة التوحيدية والمسالمة، يندرج تبني المملكة للمذهب المالكي، الذي يشكل إرثاً حضارياً واجتماعياً، وهوية دينية موحدة.

  ومع اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- عرش أسلافه الميامين، حاملاً معه عهداً جديداً من التطوير والتحديث، شهدت مؤسسة البيعة -التي كانت أول عمل دستوري وشرعي لتنصيب العاهل الجديد- تطوراً لافتاً؛ فالسرعة، والترميز الدقيق، والمكانة البروتوكولية للشخصيات والجهات الوافدة لتقديم البيعة للملك الجديد، ومضمونها، كلها إشارات تبرز المعنى الخاص المتجدد الذي تكتسيه؛ وهو معنى حداثي متطور، حيث تتقدم الهيئات والمؤسسات الدستورية، والجيش، والأحزاب، والجمعيات النسائية، وفق ترتيب بروتوكولي محكم يعكس تطور وعصرنة المجتمع، بعيداً عن مجرد طقوس بروتوكولية جامدة.

  فالبيعة، التي تحتفظ دائماً بطابعها التعاقدي المتبادل، لا تقتصر على البعد الديني الصرف، بل تعزز أثرها ودلالتها بفضل سياسة القرب الوجداني التي ينهجها الملك مع شعبه، والزيارات التفقدية الميدانية الموصولة التي يقوم بها جلالته لمختلف حواضر وأقاليم المملكة.

  وقد تعددت المؤشرات الدالة على الرغبة التدريجية في تكييف السلوكيات الموروثة مع العصر؛ لعل أبرزها مرونة الطقوس البروتوكولية، وإشراك المرأة في المناسبات الرسمية، وظهور عقيلة الملك في الأنشطة العامة؛ وهي إشارات فُسرت على أنها إرساء لأسلوب حكم متطور يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وإعلان عن تحديث حقيقي يواكب الانتقال الديمقراطي والمؤسساتي. وقد عبر جلالة الملك بكل وضوح وعزم عن إرادته في قيادة البلاد وفق رؤيته وبأسلوبه الخاص، حيث صرح جلالته للصحفي شارل لومبروشيني قائلاً: « إن إيقاعي هو إيقاع المغرب. وهو ليس بالضرورة نفس الإيقاع الذي يحاول بعض المراقبين فرضه علينا باستعلاء وجهل بعدما نصبوا أنفسهم قضاة. من داخل مقاهيهم، يريد هؤلاء ضبط المغرب وملكه على مقاس أوهامهم الخاصة؛ إن ذلك الزمن قد ولى ».

  إن هذا التطور، الذي يُفسر في سياق ملاءمة الثوابت الدينية مع مستجدات العصر، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن ينال من القدسية والصلابة المتينة لرابطة البيعة والولاء، الموضوعة بإجماع الأمة فوق كل الاعتبارات السياسية والمزايدات الضيقة.

  ويقدم الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري تجسيداً بليغاً لهذا التلاحم بالعودة إلى التاريخ القريب للمغرب، حين ضحى بطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس -طيب الله ثراه- بنفسه وبعائلته وبعرشه في سبيل ألا ينقض العهد والبيعة التي كانت تربطه برعاياه الأوفياء؛ وبالمثل، فضل الشعب المغربي الأبي المعاناة والموت والمقاومة على أن يخون عهده وبيعه لملكه الشرعي، الذي بايعه وفق كتاب الله وسُنّة رسوله المصطفى ﷺ.

تأطير الحقل الديني:

لقد ظلت الهواجس الأمنية تهيمن لفترة طويلة على تدبير الشأن الديني؛ إذ كان التزامن بين الثورة الإسلامية في إيران والأحداث التي شهدتها مدن الدار البيضاء والناظور ومراكش سنة 1984، حافزاً قوياً جعل السلطة توجه اهتمامها صوب ” الظاهرة الإسلاموية “، وتقرر إخضاعها للمراقبة والضبط من خلال بوابة إعادة هيكلة الحقل الديني.

وأضحت السلطة على وعي تام بضرورة الاستعانة بعناصر وآليات جديدة لتعزيز استراتيجيتها التقييدية والرقابية، في مواجهة تصاعد الإسلام السياسي الذي كان يهدد بإعادة النظر في القواعد التي استقرت واحْتُرِمَت حتى ذلك الحين.

وقد أثمر هذا الوعي ولادة مقاربة جديدة تقوم على الاستيعاب الإيجابي للحركة الإسلامية، تجسدت في التصريح الشهير لوزير الأوقاف الأسبق بمناسبة افتتاح الدورة الأولى للجامعة الصيفية حول الصحوة الإسلامية في سبتمبر 1990، حيث قال: « إننا ملزمون بالاهتمام بالصحوة الإسلامية، دون معاداتها أو محاربة شوائبها، كما فعلت بلدان إسلامية أخرى جهلاً منها بالدين والسياسة والأخلاق (…) بل يجب اعتبار هذه الحركة عنصراً إيجابياً يمكن توظيفه في إصلاح المجتمع ».

ولم يكن لهذه المقاربة أن تكتمل إلا عبر العمل « التدريجي من خلال التربية والتعليم الديني (…) لكي نطمئن على ديننا، الذي يحاول البعض تصويره كفكر جامد عبر اختزاله في التوحيد والفقه ». وهكذا، أصبح تأطير الحقل الديني مشحوناً بالرؤية التحديثية الجديدة التي يتبناها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في مقاربة العلاقات بين الإسلام، والعالم، والسياسة؛ وهي رؤية شكلت حتى الآن حصناً منيعاً ضد النـزوعات والانحرافات الإيديولوجية، مع الحفاظ على الهوية الجماعية للشعب المغربي. وفي هذا الصدد، وضع صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- برنامجاً واسعاً من الإصلاحات الرامية إلى تحديث المؤسسات الدينية، بهدف تعزيز الأمن الروحي للمغاربة، وحماية الشباب من التطرف، وصون الشخصية الدينية للأمة في إطار احترام القناعات الدينية الأخرى.

(يتبع)

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى