sliderآراء

إمارة المؤمنين: تفرد مغربي (4) – بقلم محمد جلماد

يعد تنصيب المجلس العلمي الأعلى في حلتـه الجديدة الإجراء الأكثر أهمية في مسار إعادة هيكلة الحقل الديني. ويقود هذا المجلس، الذي يترأسه الملك شخصياً ويضم في عضويته ثلة من كبار علماء البلاد، قوام السياسة الدينية في المغرب.

تنظيم هيئة العلماء:

تمثلت هذه العملية في إرساء بنية هرمية تشمل كافة العلماء؛ وتضم هذه البنية مجلساً علمياً أعلى يترأسه الملك، إلى جانب مجالس علمية جهوية ومحلية، وهي مدعوة لرفع التحدي الإسلاموي ومواجهة المزايدات الإيديولوجية، مع تجنب السقوط في أي نزعة سياسية. وقد جاء التحذير في هذا الباب من العاهل الكريم شخصياً حين قال: « يتعين علينا الانتقال إلى التنفيذ، ولكن الحذر كل الحذر من الانحرافات تحت ضغط العوامل الظرفية أو العاطفية (…) والحذر من الانجراف وراء تيارات الهوى أو الظرفية (…) فالتحذير هو واجب الأب، والملك، وأمير المؤمنين ».

وقد تجسد تنظيم هيئة العلماء أيضاً عبر إحداث المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية بموجب ظهير 8 أبريل 1981؛ وهو الظهير الذي يبرز أولاً مقام إمارة المؤمنين، ويحدد البعثة والمسؤولية المنوطة بالعلماء، والمتمثلة في التعريف بمسائل الإسلام وبيان أن تعاليمه تستجيب لحاجيات الإنسانية في كل زمان ومكان، على الصعيدين الروحي والزمني معاً. كما يتعين على العلماء إثبات أن الإسلام يغني عن اللجوء إلى عقائد أو إيديولوجيات غريبة لا تمت بصلة للقيم المشكلة لهوية الأمة المغربية.

وعقب أحداث 16 ماي، شهدنا تثميناً كبيراً لدور العلماء من خلال استراتيجية قائمة على الدينامية الهيكلية، والمشاركة الفعلية في تدبير الشأن الديني. وفي هذا السياق، يندرج الخطاب الملكي السامي ليوم الجمعة 30 أبريل 2004، الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي قارب فيه الحقل الديني في أبعاده الروحية وجوانبه التنظيمية.

ووفاءً لرؤيته التوفيقية بين الأصالة والمعاصرة، دعا صاحب الجلالة الملك -حفظه الله- المجلس العلمي الأعلى إلى الجمع بين التضلع في العلوم الدينية والانفتاح على الحداثة. وأُنيطت بالمجالس المحلية مهمة إرساء عمل القرب والإنصات، خاصة تجاه الشباب الذين تشتد الحاجة لحماية عقيدتهم وفكرهم من الضالين والمضللين. كما دعا العاهل الكريم ” الرابطة المحمدية لعلماء المغرب ” -التي تفضل جلالته بقرنها باسمه الشريف لتصبح ” الرابطة المحمدية للعلماء “- إلى الانبعاث والتحرك؛ حيث أكد جلالته قائلًا:

« (…) وفي نفس السياق، سياق الإصلاح والتحديث، فقد أحدثنا الرابطة المحمدية للعلماء، بديلة عن الجمعية السابقة، توخياً لجمع شمل الطاقات والكفاءات العلمية الدينية التي يزخر بها بلدنا، مكملة ومؤازرة للمكونات الأخرى للمشهد الديني المجدد الذي أرسينا معالمه ».

ولم تتأخر الرابطة المحمدية للعلماء في تنزيل التوجيهات الملكية السامية، مما مكنها من أن تصبح فاعلاً نشيطاً في الحقل الديني، ومساهماً في إشاعة قيم الإسلام المعتدل. وهكذا، بادرت هذه المؤسسة الدينية إلى إطلاق مبادرات عدة، لا سيما تنظيم مؤتمرات ولقاءات علمية وطنية ودولية، من قبيل الندوة الدولية حول ” مقاصد الشريعة والسياق الدولي المعاصر” المنعقدة بالرباط سنة 2012. وتهدف هذه الأنشطة بالأساس إلى تثمين التجربة المغربية، كما أطلقت الرابطة منصة علمية إلكترونية موجهة لنشر المعرفة الدينية المعتدلة من خلال تقديم شرح فعال ووظيفي ووسطي للنصوص الدينية.

ويُعتبر تنصيب المجلس العلمي الأعلى في حلتـه الجديدة الإجراء الأكثر أهمية في مسار إعادة هيكلة الحقل الديني. ويقود هذا المجلس، الذي يترأسه صاحب الجلالة الملك شخصياً ويضم في عضويته ثلة من كبار علماء البلاد، قوام السياسة الدينية في المغرب؛ فهو مكلف بمدارسة القضايا التي يعرضها عليه صاحب الجلالة، والإشراف على عمل المجالس المحلية، والسهر على توجيه أنشطتها وتفعيل دورها في الحياة الدينية للمواطنين. كما أُحدثت داخل المجلس الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، والتي تخضع الفتاوى الصادرة عنها لمصادقة أمير المؤمنين؛ إذ كان من الضروري، لمواجهة ظاهرة فوضى الفتاوى والمبادرات الدينية الفردية، إرساء مؤسسة تقنينية وضبطية للأحكام الشرعية تُدعى ” هيئة الإفتاء “. وقد كان العاهل الكريم واضحاً وحاسماً في هذا الباب بقوله: «…وهدفنا من ذلك تحصين هذه الخصوصية من الدخلاء والمشعوذين الذين يضعون أنفسهم خارج الإطار الديني المؤسساتي الذي تجسده إمارة المؤمنين التي نحن مؤتمنون عليها». وبموازاة إحداث المجلس العلمي الأعلى، تم تعيين رؤساء المجالس العلمية المحلية بمختلف عمالات وأقاليم المملكة، وتتوفر هذه المجالس على فروع تغطي كافة النفوذ الترابي التابع لسلطتها.

 تثمين مؤسسة العلماء:

« إن دور العلماء، كما أكدنا على ذلك في مناسبات عديدة، لا ينحصر في الوعظ والإرشاد بالمساجد، بل يمتد إلى الحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة، وحماية الثوابت الدينية والوطنية للمملكة. وإننا ننتظر منهم أن يكونوا قريبيـن من المواطنين، منصتيـن لانشغالاتهم، وقادريـن على تقديم الأجوبة الدينية المناسبة، المبنية على مبادئ الوسطية والاعتدال والتسامح، بعيداً عن كل غلو أو تعصب ».

مقتطف من الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- خلال الجلسة الختامية للدورة العادية الـ29للمجلس العلمي الأعلى (2022).

يبرز الخطاب الملكي الأهمية البالغة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- لهيئة العلماء، وكذا العناية التي يخص بها المسؤوليات المتعددة التي حددها لهم؛ فالْعالِم ليس مجرد فقيه بالدين، بل هو حصن اجتماعي وروحي للأمة.

إن العناية الملكية الموجهة للعلماء تشكل ركيزة أساسية للاستقرار المؤسساتي والروحي للبلاد؛ وتندرج هذه العلاقة في الإطار الفريد لإمارة المؤمنين، التي تخول للملك أمانة حماية الملة والدين مع ضمان النظام العام.

ويحدد المفهوم الملكي لدور العلماء ثلاثة محاور جوهرية:

  • الأمن الروحي: حيث يحدد جلالة الملك العلماء كحراس للوحدة الدينية للبلاد ( المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية )، مما يحمي المجتمع من الإيديولوجيات الراديكالية والتأويلات المنحرفة للدين، ويضمن استقرار المغرب.
  • القرب والإنصات:  إذ يعتبر جلالة الملك أن العالِم يجب أن يكون فاعلاً اجتماعياً ميدانياً، يسهل الوصول إليه، متطوراً ومواكباً، قادراً على توجيه المواطنين ( بمن فيهم الجاليات المقيمة بالخارج ) في حياتهم اليومية.
  • محاربة التطرف: حيث ينيط جلالته بالعلماء رسالة تثمين ” إسلام الوسطية والاعتدال “، وتفكيك الخطابات المتشددة.

ومن جهة أخرى، مدّ جلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- هذه الرؤية إلى ما وراء حدود المغرب من خلال إحداث ” مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ” سنة 2015، بهدف توحيد جهود العلماء الأفارقة لتبسيط ونشر قيم السلام، وإرساء شبكة للتواصل الفقهي لمواجهة الاضطرابات الدينية في القارة.

وعلى العكس من بلدان أخرى قد تشهد تصادماً بين الهيئة الدينية والدولة أو تبيعية مطلقة لها، نجح النظام المغربي في خلق شراكة عضوية؛ فالعلماء ليسوا مجرد موظفين، بل هم ضمانة ” الأمن الروحي ” الذي يسمح للبلاد بالتطور دون فقدان هويتها وأصالتها.

مؤسسة دار الحديث الحسنية: تكوين ” العلماء-المواطنين “:

تُعد دار الحديث الحسنية مؤسسة للدراسات الإسلامية العليا، أحدثها المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني في 26 رمضان 1383 هـ (  10 فبراير 1964). وفي إطار إعادة هيكلة الحقل الديني، قرر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- إعادة تنظيم هذه المؤسسة بموجب الظهير الشريف رقم 1-05-159 الصادر في 18 رجب 1426 ( 24 أغسطس 2005 )، نظراً لدورها الطليعي في تكوين علماء وأطر متفتحي الفكر، يجمعون بين «المعرفة العميقة بالعلوم الإسلامية، والتمكن التام من مسارهم الدراسي، مع الانفتاح على الحوار والتفاعل مع مختلف تخصصات العلوم الإنسانية »؛ وهي أطر تعكس صورة مغرب منفتح ومتشبث بقيم التسامح والمحبة والإخاء التي يدعو إليها الإسلام. وتظل مؤسسة دار الحديث الحسنية، دون شك، المؤسسة الأكثر عراقة وانتقائية في الحقل الديني المغربي، وتُصنف بمثابة ” المدرسة الوطنية العليا ” لعلوم الدين في المغرب.

وبتوجيهات ملكية سامية، وخلافاً لكليات الشريعة الكلاسيكية، تتمثل مهمة دار الحديث الحسنية في تكوين علماء من مستوى عالٍ قادرين على ضبط النصوص المقدسة ( القرآن والسنة ) برصانة أكاديمية، ومحاورة الآخر بحجج مبنية على العلوم الإنسانية وملائمة للرهانات المعاصرة، وتبوّأ مناصب المسؤولية داخل المجلس العلمي الأعلى أو في الإدارات العليا للدولة.

وتجسد دار الحديث الحسنية الإرادة الملكية في عدم ترك الخطاب الديني عرضة للهواة؛ فعبر إعداد نخبة فكرية قادرة على تأصيل الوسطية بحجج علمية وعقلانية، يضمن جلالة الملك ديمومة إسلام لا يهاب الحداثة والتطور.

ضبط وتدبير التكوين الديني:

يتوافق هذا الضبط مع إرادة الدولة في الإشراف على مراكز إنتاج الرمزية الدينية؛ كما استجاب للحاجة الملحة لاستبدال التكوين غير المؤسساتي والتلقين الفردي بمعرفة ” مُقننة ومحصنة ” -وفق تعبير عالم الاجتماع محمد الطوزي- مما مكن الدولة من مراقبة مضامين التكوين، وتأهيل العلماء وتوجيههم. وفي هذا السياق، سُحبت الصلاحيات من مؤسسات التعليم العتيق التقليدية، إما عبر إلحاقها بوزارة التربية الوطنية، أو من خلال إحداث مؤسسات علمية موازية.

كما مكنت هذه السياسة من كسر احتكار ” عالِم القرويين ” عبر تنويع روافد ومسالك التكوين الديني. وفي سنة 2004، أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- توجيهاته السامية لإصلاح التعليم الديني وتكوين القائمين على الشأن الديني على أسس جديدة؛ حيث قال جلالته: « وقد حرصنا، في هذا الأفق، على تأهيل مدارس التعليم الأصيل، وصيانة نظام تحفيظ القرآن الكريم، وحماية هذه المؤسسات من كل استغلال أو انحراف يمس بالهوية المغربية. كما وفرنا جسوراً وبرامج تكوينية تسمح بإدماج خريجي هذه المدارس في المنظومة التربوية الوطنية، والتي عوض أن تنتج عقولاً منغلقة وجامدة، ستشجع -على العكس من ذلك- الانفتاح على الثقافات الأخرى (…) ». وبناءً عليه، انكبت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2005 على تنفيذ التعليمات الملكية السامية من خلال برنامجين إصلاحيين: يهم الأول التعليم العتيق بغرض ملاءمة البنيات الفكرية والتربوية للمغاربة مع البنيات الاجتماعية المتحولة؛ ويهم الثاني تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات بهدف إبراز جيل جديد من مدبري الشأن الديني القادرين على قراءة معطيات الوحي الإسلامي في ضوء العقل والتاريخ.

مراقبة وضبط المساجد:

تجسدت مراقبة أماكن العبادة في حظر بناء مساجد جديدة دون الحصول على ترخيص صريح من السلطات المحلية، بعد استطلاع رأي المجالس العلمية.

وتوخت السلطات العمومية من وراء هذا الإجراء منع استغلال بعض المساجد غير التابعة لوزارة الأوقاف من طرف جماعات متشددة تمارس التدين بشكل يخالف السُنّة والجماعة؛ إذ كان من السهل ملاحظة وجود مساجد تفلت من رقابة الجهات المختصة وتديرها أطراف خاصة، أو جمعيات، أو عناصر تابعة لنحل دينية غير معترف بها. ولم تتردد السلطات العمومية في التطبيق الصارم لمقتضيات ظهير 1984 المتعلق ببناء المساجد إثر وقوع بعض الحوادث الماسة بالنظام العام في بعض جهات البلاد. ووراء هذا الحرص على حماية الرسالة الروحية للمساجد، جاءت مصادقة البرلمان المغربي في يناير 2007 على قانون جديد يفرض قواعد صارمة في مجال البناء، ويهدف إلى تحديد شروط واضحة لتمويل وبناء المساجد، ناصاً على أن الراغبين في بناء مسجد جديد ملزمون بتأسيس جمعية وتحديد المسؤولين عن جمع التبرعات والمنح.

ويندرج هذا القانون الجديد في إطار جهود السلطات للوقاية من الغلو الديني ومنع أي ولوج غير سلمي للمساجد. وفي هذا الصدد، أكد السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن السياسة الملكية في مجال بناء المساجد والنهوض برسالتها تروم مواكبة التطور الديمغرافي والعمراني الذي تشهده مختلف ربوع المملكة. وكان العاهل الكريم قد شدد، في معرض حديثه عن إعادة هيكلة الحقل الديني، على أن: « (…) هذا الإصلاح المؤسساتي لا يمكن أن يكتمل إلا بالانكباب على تفعيل دور المساجد، باعتبارها القلب النابض للمجال الروحي. لذا، قررنا اتخاذ سلسلة من التدابير التي تعكس رعاية الموصولة لبيوت الله، لكونها تشكل إحدى الركائز الأساسية التي ينبني عليها مخططنا في التوجيه والتحسيس بمبادئ الفكر الديني المستنير ». كما أبرز الوزير الجهود الدؤوبة التي يبذلها جلالة الملك لتثبيت المساجد في رسالتها الأصلية كأماكن للعبادة والإرشاد الروحي.

 الرعاية الملكية السامية الموصولة :

« إن عنايتنا ببيوت الله لا تعادلها إلا عزيمتنا على أن تظل المساجد واحات للتقوى والسكينة والعبادة، وفضاءات للتوجيه والإرشاد. ولذا فقد قررنا تمكين المساجد من وضع قانوني يصون حرمتها ويضمن تسييرها وفق أحكام الإسلام، بعيداً عن أي استغلال سياسي أو نزوعات للفتنة. ويجب على المساجد أن تؤدي رسالتها الأصيلة كأماكن للعبادة، والتعليم، ومحو الأمية، في إطار من الاعتدال، والوسطية، والتسامح الذي يطبع العبقرية المغربية ».

مقتطف من الخطاب الملكي السامي (30أبريل 2004).

تعكس الأهمية البالغة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- للمساجد، العناية الملكية الموجهة لجماعة المؤمنين داخل المغرب وخارجه، لا سيما في بعض البلدان الإفريقية؛ والهدف هو ضمان ظروف مثالية لممارسة شعائر الإسلام، وإشاعة الأمن الروحي، والدفاع عن قيم التساكن، ونبذ الغلو الديني.

وتندرج العزيمة المتجددة لجلالة الملك للنهوض بأماكن العبادة في إطار سياسة ترقية الحقل الديني بالمملكة، والتي أُطلقت منذ اعتلائه العرش، حيث يرتكز أحد المحاور على بناء مساجد وفق برنامج ضخم يستجيب لحاجيات المصلين، مع الحرص على ضمان توزيع متناغم ومتوازن لبيوت الله عبر مختلف جهات المملكة.

فبالنسبة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- لا يقتصر المسجد على كونه مكاناً للصلاة فحسب، بل هو القلب النابض للحاضرة والرمز المرئي لإمارة المؤمنين. وتكريساً لهذه الرعاية السامية الموصولة، تقرر تنظيم “اليوم الوطني للمساجد” في اليوم السابع الموالي للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف من كل سنة.

البناء والترميم: الجمالية في خدمة العقيدة:

يسهر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- شخصياً على أن تكون المساجد تحفاً معمارية تبرز مهارة الصانع التقليدي المغربي، وتعكس عظمة الإسلام، كما يشهد على ذلك مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء الذي يعد رمزاً للعبقرية الهندسية ومنارة عالمية للهوية المغربية؛ وكذا مساجد ” محمد السادس ” المشيدة بالخارج، لا سيما في دكار، وأبيدجان، وكوناكري، حيث تشكل هذه الصروح مراكز إشعاع للنموذج الديني المغربي.

إن المعايير المعمارية والفنية التي يفرضها صاحب الجلالة الملك محمد السادس ليست مجرد خيارات جمالية صرفة، بل تروم الحفاظ على الاستثناء المغربي وحماية التراث الحرفي الوطني أمام موجات النمطية الدولية.

ومن جهة أخرى، خُصص برنامج ضخم لإعادة تأهيل المساجد الأثرية القديمة بالمدن العتيقة لصيانة التراث الوطني. وفي هذا الصدد، أشار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أمام لجنة الخارجية بمجلس النواب خلال مناقشة الميزانية الفرعية للوزارة برسم السنة المالية 2026، إلى أن تكلفة إعادة بناء وتأهيل عشرات المساجد بالمغرب بلغت 390 مليون درهم، مع برمجة مشاريع أخرى لبناء مساجد بالهندسة المغربية الأصيلة في بلدان القارة الإفريقية؛ وذكر الوزير أشغال تهيئة وترميم مسجد محمد السادس بمدينة نجامينا بجمهورية تشاد بتكلفة ناهزت 22 مليون درهم.

وتعكس هذه الجهود الحرص المستمر للعاهل الكريم على تعزيز شبكة المساجد والصروح ذات الطابع الروحي، وتمكين القيمين الدينيين من أداء مهامهم الدينية والاجتماعية والتربوية، وإعادة الاعتبار للمواقع التراثية والبنيات المخصصة لصون التراث التقليدي للمملكة وتطويره.

برنامج محو الأمية بالمساجد:

بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- تحولت المساجد إلى مدارس مواطِنة حقيقية؛ فمنذ سنة 2000، يستفيد مئات الآلاف من المواطنين سنوياً من دروس القراءة والكتابة والحساب داخل فضاءات المساجد. ويواصل برنامج محو الأمية بالمساجد تقديم مساهمة وازنة في القضاء على الأمية عبر ربوع المملكة، وهي مبادرة ملكية جعلت من المسجد رافعة للتنمية البشرية والارتقاء الاجتماعي.

” القوة الناعمة الروحية ” للمغرب :

يندرج بناء المساجد من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- في إفريقيا ضمن استراتيجية متعددة الأبعاد يصنفها المحللون في خانة ” الدبلوماسية الدينية “. فهذه المساجد -التابعة لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة- أبعد من أن تكون مجرد أماكن للعبادة، بل هي ركائز لرؤية جيوسياسية وثقافية، هدفها الأسمى نشر النموذج الديني المغربي المبني على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، مما يضمن الوحدة الروحية عبر خطب تكرس السلام والتسامح.

وتشكل هذه المساجد أداة فعالة لمواجهة التطرف؛ فمن خلال تمويل هذه الفضاءات، يقدم المغرب بديلاً مهيكلاً ومؤصلاً للإيديولوجيات الراديكالية التي حاولت التغلغل في بعض مناطق الساحل أو غرب إفريقيا.

وفي عهد جلالة الملك محمد السادس -رعاه الله- رُفِع تدبير المساجد إلى مصاف الأولويات الاستراتيجية الوطنية، مما يترجم الالتزام الشخصي للعاهل الكريم الذي يحرص على أداء صلاة الجمعة في مختلف مساجد المملكة أثناء تنقلاته الميدانية، مجسداً بذلك التلاحم المستمر بين العرش ومظاهر التعبد الشعبي.

ضبط وتدبير الخطبة:

يندرج توحيد خطبة الجمعة، وإبعاد الخطباء والوعاظ الذين يرفضون الامتثال لهذه القاعدة، في سياق الإجراءات الدالة على حزم السلطات العمومية. وجدير بالذكر في هذا الصدد أن الخطبة شهدت بين سنتي 1979 و1984 انتعاشاً كبيراً تحولت معه إلى إحدى أبرز وسائل العمل الإسلاموي تأثيرًا واستقطابًا. ورغم تمكن الدولة من ضبطها، إلا أنها لم تسعَ إلى إفقادها قيمتها التوجيهية؛ إذ كان الخطباء المستقلون قد اكتسبوا شعبية واسعة، وتحولت الخطبة -وفق تعبير الباحث برونو إتيان- إلى آلية قوية تحقق الوظيفة النقدية لرجل الدين المثالي. وبناءً عليه، تتميز الخطبة المعتمدة من طرف السلطة بهيمنة المواضيع الدينية والتذكير بواجبات المؤمن نحو ربه، وتوجه أسبوعياً للمصلين؛ حيث يحرص الخطيب على مخاطبتهم في قضاياهم وربط خطبته بالواقع اليومي.

وقد اغتنم المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني فرصة انعقاد المؤتمر العالمي الأول للخطباء بفاس بين 23 و27 مارس 1987، للتعليق على توصيات هذا اللقاء وتذكير العلماء بواجب عدم تسييس المنبر، حيث قال: « إذا رغب الخطيب في تجاوز المواعظ التقليدية المتعلقة بالأحكام وقواعد السلوك ليعالج في خطبه المشاكل المتعددة للمجتمع -وأحدد هنا أنني أتحدث عن المغرب، متجنباً أي تدخـل في شؤون البلدان الأخرى- فيجب عليه أن يتحلى بالموضوعية ويتجنب بصرامة السياسوية الضيقة. فمن على منبره، يخاطب الخطيب جماعة من المؤمنين لا معارضة فيهم. ولكي يكون جديراً بالهالة التي أضفاها عليه المشرع الإسلامي، يتعين عليه ألا يتبنى قط فكراً حزبياً، أو قبلياً، أو مغرضاً. وقد لوحظ إخلال بهذه الأخلاقيات في مساجدنا مرات عدة (…). فالخطباء مدعوون إذن للعب دور تعديلي وتوازني، والابتعاد عن الخطابات التي قد تجعلهم، بشكل غير مباشر، مسؤولين عن أي مساس بالنظام العام ».

ووعياً بالقوة الإقناعية للأئمة، نُشِر في الجريدة الرسمية للمملكة بتاريخ 1 يوليو 2016 ظهير شريف جديد ينظم مهام القيمين الدينيين. ويسعى هذا الظهير إلى تحصين الخطباء والأئمة من أي توظيف سياسي قد يخدش دورهم الروحي الصرف، حيث يحظر عليهم حظراً تاماً طيلة مدة ممارستهم لمهامهم بالمساجد التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الانتماء إلى أي هيئة سياسية أو نقابية، كما يلزمهم بعدم اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي، وتجنب كل ما من شأنه إعاقة رسالة الإسلام. ويَكتسي هذا القانون أهمية حيوية قصوى لكونه يرمي إلى منع خلط المفاهيم والأنواع الذي اعتاده الإسلاميون عبر العالم، لا سيما عند تدبيرهم للشأن العام.

وتتوافق جملة هذه التدابير مع الاختيار الديمقراطي للبلاد، والذي كان عليه الاستجابة لمتطلبات صون التعددية الديمقراطية ضد أي نزعة إيديولوجية إقصائية.

 خطة تسديد التبليغ: حكامة الخطاب الروحي:

تعد” خطة تسديد التبليغ ” شكلاً متطوراً من أشكال « حكامة الخطاب الديني »، يضمن بقاء الدين عامل وحدة وطنية عوض أن يكون مطية للتفرقة؛ فهي أبعد من أن تكون مجرد توجيه نظري، بل هي إعادة تنظيم هيكلي لوظيفة الإمام في المغرب، تحوله من مجرد ” مؤمٍّ للصلاة ” إلى ” وسيط اجتماعي “. وبشكل ملموس، لم يعد مطلوباً من الإمام الاكتفاء بسرد النصوص القديمة، بل تدعوه الخطة إلى رصد ومعالجة الآفات المحلية واستعمال لغة ميسرة وقريبة، مع التركيز على البعد البيداغوجي والأسلوب التعليمي واستلهام الأمثلة من الحياة اليومية للمجتمع المغربي.

ومن جهة أخرى، يتلقى الأئمة جذاذات وبطاقات توجيهية تحدد معالم المواضيع، تجنباً للارتجال الذي قد يفضي إلى خطابات متشددة أو مثيرة للجدل. ويفيد مصطلح ” التسديد ” تحقيق السداد، والتموقع الصحيح، والاستقامة؛ والفكرة الأساسية هي الانتقال من خطبة تقليدية قد تكون أحياناً منفصلة عن الواقع أو تكرارية، إلى خطاب ديني نفعي، واقعي، ومُحَصِّن. ويكمن الهدف المركزي في جعل الدين وظيفياً في الحياة اليومية للمواطنين، بالابتعاد عن السجالات العقائدية المجردة أو المتطرفة، والاستناد إلى مبادئ القرب، والمنفعة، وحماية النموذج الديني المغربي من المؤثرات الإيديولوجية الوافدة، وإشراك الأئمة والخطباء والمؤطرين ( المرشدين والمرشدات ) كفاعلين حقيقيين في التنمية الاجتماعية والارتقاء القيمي.

(يتبع)

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى