يتناول هذا المقال دور الإيسيسكو في إعادة توظيف التراث الحضاري الإسلامي في القرن الحادي والعشرين، عبر تحويله من مجرد موروث تاريخي إلى مصدر للمعرفة والابتكار والحوار. ويبرز التصور المنفتح والتعددي للحضارة الإسلامية، التي ازدهرت بفضل التبادل والترجمة والتفاعل مع مختلف الحضارات، مع التأكيد على دور الإيسيسكو في ربط هذا الإرث بمتطلبات العصر وتعزيز مساهمته في إنتاج المعرفة وبناء المستقبل.
لا تزال مسألة موقع الحضارة الإسلامية في العالم المعاصر تحتل صميم تساؤلات فكرية وسياسية وثقافية كبرى: فمنذ عقود، يجد العالم الإسلامي نفسه مطالبًا بالتوفيق بين صون إرث حضاري استثنائي وبين المشاركة الكاملة في إنتاج المعارف والعلوم والقيم التي تشكّل ملامح القرن الحادي والعشرين، وهو ما يقتضي تجاوز الحنين إلى ما يُسمى بـ«العصر الذهبي» المزعوم، وتجاوز التمثلات المختزلة التي تربط الإسلام حصرًا بالنزاعات أو التطرف أو الأزمات الجيوسياسية. فالحضارة الإسلامية واقع تاريخي تعددي، دينامي، ومتشابك بعمق مع حضارات أخرى، وينبغي دراستها بوصفها تجربة إنسانية لإنتاج المعرفة ونقلها وتداولها. ومن هذا المنظور، تحتل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) موقعًا بالغ الأهمية: فهي منظمة حكومية دولية متخصصة، تأسست سنة 1982 ومقرها الرباط، وتضم اليوم 53 دولة عضوًا موزعة بين أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتشمل مجالات خبرتها التربية والعلوم والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية إلى جانب الثقافة والاتصال (ICESCO, 2026a). غير أن أهميتها لا تكمن في بنيتها المؤسسية بقدر ما تكمن في الإمكانات الحضارية لرسالتها، التي تتمثل في تعزيز المعرفة والابتكار والريادة والتعاون وتنمية مجتمعات العالم الإسلامي، طموحًا منها لأن تصبح «منارة عالمية للمعرفة» في مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصال (ICESCO, 2026b) — وهو طموح يزداد إلحاحًا في سياق دولي يتسم بالاستقطاب الهوياتي والتضليل الإعلامي وتصاعد التطرف والتوترات بين تأويلات متنافسة للديني والسياسي، حيث تصبح التربية والعلم والثقافة أدوات للتنمية بقدر ما هي أدوات للسلام.
والسؤال الجوهري المطروح إذن هو التالي: كيف يمكن للإيسيسكو أن تسهم في تحويل إرث الحضارة الإسلامية من موضوع للاحتفاء التذكاري إلى قوة معاصرة للمعرفة والابتكار والحوار والتعايش؟ والفرضية التي يدافع عنها هذا المقال هي أن الإيسيسكو تستطيع الاضطلاع بهذا الدور شريطة أن تُتصوَّر الحضارة الإسلامية لا ككتلة متجانسة أو هوية دفاعية، بل كحضارة منفتحة تاريخيًا، تعددية وحوارية — وهو تصور يتيح التعبير عن أربعة أبعاد متكاملة: التربية بوصفها نقلًا للمعرفة، والعلم بوصفه إنتاجًا للمعارف، والثقافة بوصفها صونًا وتجديدًا للتراث، والحوار بين الأديان بوصفه أداة للتعايش.
1. التفكير في الحضارة الإسلامية خارج التمثلات المختزلة
قبل تناول دور الإيسيسكو، يجدر تحديد ما يُقصد بمفهوم «الحضارة الإسلامية»، الذي لا يمكن اختزاله في الدين الإسلامي بوصفه نسقًا لاهوتيًا فحسب: فهو يحيل إلى مجموعة تاريخية واسعة من المجتمعات والمؤسسات واللغات والتقاليد الفكرية والممارسات الفنية والشبكات التجارية التي تطورت في فضاءات شديدة التنوع. وقد شدد مارشال هودجسون (Hodgson, 1974) بدقة، في كتابه The Venture of Islam، على الطابع العالمي للتاريخ الإسلامي، إذ يدرس تكوّن هذه الحضارة وامتدادها إلى ما وراء العالم العربي، عبر الفضاءات الفارسية والتركية والأفريقية والهندية والملايوية — وهو منظور أساسي لفهم أن التاريخ الإسلامي ليس تاريخ حضارة أحادية متجانسة، بل تاريخ مجموعة متنوعة من الثقافات المترابطة عبر مؤسسات وتبادلات فكرية وشبكات دينية. ويتجلى هذا التنوع أيضًا في مسارات علماء مثل الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم والبيروني والإدريسي وابن رشد وابن خلدون، الذين ينتمون إلى بيئات لغوية وثقافية مختلفة، والذين تجسد إسهاماتهم أقل ما تجسد تجانسًا حضاريًا وأكثر ما تجسد قدرة على استيعاب المعارف الواردة من تقاليد متعددة وترجمتها وتحويلها — إذ تُظهر حركة الترجمة في بغداد، والتبادلات مع التقاليد اليونانية والفارسية والهندية، والاتصالات مع بيزنطة، والعلاقات الفكرية مع الجماعات اليهودية والمسيحية، أن الحضارات نادرًا ما تتقدم في عزلة (Hodgson, 1974). وتحمل هذه الحقيقة التاريخية درسًا معاصرًا جوهريًا: إن الحضارة التي تتوقف عن التبادل تتوقف تدريجيًا عن الابتكار — وهو ما يمكن للإيسيسكو أن تسهم في إحيائه، لا من أجل الاحتفاء بمنجزات الماضي، بل لجعلها منطلقًا لثقافة معرفية جديدة.
2. التربية أساسًا للنهضة الحضارية
تظل التربية الأداة الأولى التي تنقل بها الحضارة ذاكرتها وقيمها ومعارفها، وهي وظيفة تزداد مركزية في العالم الإسلامي الذي أولى تقليديًا مكانة رفيعة لطلب العلم، كما يشهد على ذلك تاريخ المكتبات والمدارس والجوامع الجامعية وبيوت الحكمة. غير أن السؤال المعاصر لا يتعلق بصون هذه الذاكرة فحسب، بل بتحويلها إلى قدرة فكرية حديثة: فالإيسيسكو تُعرّف التربية بوصفها أحد أهم مجالات تدخلها، وتؤكد رغبتها في الإسهام في «تمكين الأفراد وبناء مجتمعات المعرفة» (ICESCO, 2026a)، وهو توجه أساسي ما دامت الحضارة لا يمكن أن تكون قوية بشكل مستدام إلا إذا امتلكت أنظمة تربوية قادرة على تكوين مواطنين متعلمين، مبدعين، ومستقلين فكريًا. وقد لوحظ هذا المطلب — نقل المعارف الأساسية، وتنمية الفكر النقدي، وتعريف الشباب بتراثهم الخاص وبثقافات الآخرين — تجريبيًا حتى في برامج محو الأمية الوظيفية للكبار، حيث يدعو تنوع دوافع التعلم إلى تجاوز خطاب أداتي صرف حول التربية والإقرار ببعدها التحرري الحقيقي (Chtatou, 2021). وقد أصبح هذا البعد الأخير بالغ الأهمية في عصر العولمة الرقمية، التي تقرّب بين الأفراد دون أن تضمن التفاهم المتبادل؛ وتشدد اليونسكو (UNESCO, 2023) في هذا الصدد على أن التربية ينبغي أن تشجع دراسة مختلف الثقافات والأديان والمعتقدات وفلسفات الحياة من أجل تعزيز التفاهم المتبادل والحد من النزاعات الناجمة عن سوء الفهم — وهو توجه يتقاطع إلى حد بعيد مع الأهداف التي يمكن للإيسيسكو أن تروّج لها.
3. نحو منهاج حضاري وإبراهيمي
من المجالات التي يمكن للإيسيسكو أن تضطلع فيها بدور رائد بشكل خاص، تصميم منهاج حضاري وإبراهيمي، لا يكون هدفه استحداث شكل من أشكال التعليم الديني المذهبي، بل تطوير معرفة مقارنة بالتقاليد الدينية الكبرى — تاريخها ونصوصها ومؤسساتها وتفاعلاتها — تتمحور حول تاريخ الحضارات الإسلامية، والتقاليد الفكرية الإسلامية، وتاريخ اليهودية والمسيحية، والعلاقات التاريخية بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وفلسفة الحوار، والدراسات بين الثقافات، والتربية الإعلامية ومواجهة التضليل. وتتميز هذه المقاربة بميزة الانتقال من منطق مواجهة الهويات إلى منطق المعرفة المتبادلة، عبر إعادة وضع الإسلام واليهودية والمسيحية في سياقها التاريخي المشترك، متحررة من الصور النمطية. وقد دافع اقتراح حديث خاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا عن فكرة أن منهاجًا إبراهيميًا جامعًا — يجمع بين السرديات التأسيسية المشتركة والتاريخ المقارن ومهارات الحوار — يشكل الأداة الأكثر واعدًا لتجاوز منطق المواجهة الهوياتية المغذية للعنف الإقليمي، ولإعطاء مضمون تربوي ملموس للتطبيع الدبلوماسي الذي دشنته اتفاقيات إبراهيم (Chtatou, 2026e). وتتقاطع هذه المقاربة التربوية مباشرة مع توصية اليونسكو القائلة بأن التربية ينبغي أن تُدمج دراسة الثقافات والأديان والمعتقدات ومختلف رؤى العالم من أجل تنمية الكفايات بين الثقافية (UNESCO, 2023)، ويمكن للإيسيسكو أن تصبح، في هذا المجال، مختبرًا دوليًا بالغ الأهمية.
4. التربية في مواجهة التطرف وخطابات الكراهية
تستحق العلاقة بين التربية والوقاية من التطرف اهتمامًا خاصًا، بعدما ظلت سياسات مكافحة التطرف لفترة طويلة تخضع لهيمنة المقاربات الأمنية الصرفة، العاجزة عن الاستجابة للأبعاد الفكرية والهوياتية والاجتماعية لظواهر التطرف. وتشكل التربية في هذا الصدد أداة تكميلية أساسية، قادرة على تعليم التمييز بين الرأي والحقيقة، والحجة والدعاية، والإيمان وتوظيفه أيديولوجيًا، وعلى تنمية الفكر النقدي اللازم لتحليل المضامين المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتُظهر دراسة حديثة لتطرف الشباب في العالم الإسلامي أن هذا التطرف ينجم أقل ما ينجم عن الفقر أو اللاهوت، وأكثر ما ينجم عن مزيج من الحاجات النفسية إلى الهوية والانتماء والاعتراف، والتجنيد الرقمي، والمظالم الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يستدعي استجابة متعددة المستويات تجمع بين التربية النقدية، والتجديد اللاهوتي القائم على الاجتهاد ومقاصد الشريعة، والدعم الأسري، والرعاية النفسية، وإدماج المرأة، بدلًا من استجابة أمنية صرفة (Chtatou, 2026d). وتندرج الإيسيسكو تدريجيًا في هذا التوجه: ففي أبريل 2026، وقّعت المنظمة مع الأكاديمية الإسلامية العالمية للفقه بروتوكولًا يهدف إلى تعزيز التعاون العلمي والفكري في مجالات الحوار بين الثقافات والتعايش ومكافحة خطابات الكراهية والتطرف (ICESCO, 2026c)، مما يرسي رابطًا بين الإنتاج الفكري والحوار والوقاية من التطرف — إذ تتطلب إزالة التطرف المستدامة إعادة بناء أطر معرفية معقدة أكثر من مجرد دحض شعارات معينة، وهو ما يفترض استراتيجية تربوية تجمع بين التاريخ النقدي للأديان والتربية المدنية والفلسفة وعلم النفس الاجتماعي وتعلّم النقاش الجدلي.
5. العلم: تحويل الإرث إلى مستقبل
يتعلق البعد الحضاري الثاني الكبير لدور الإيسيسكو بالعلوم. ويُظهر تاريخ الحضارة الإسلامية أن المجتمعات المسلمة استطاعت، في فترات معينة، أن تصبح مراكز رئيسية للبحث العلمي؛ غير أن التكريم الحقيقي لهذا الإرث يكمن في إنتاج معارف جديدة اليوم، لا في تغذية خطاب حنيني. وتؤكد الإيسيسكو رغبتها في تعزيز العلوم والتكنولوجيا، واستثمار نتائج البحث العلمي، ودعم الابتكار التكنولوجي (ICESCO, 2026a)، وهي مهمة بالغة الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الطاقي والتقنيات الحيوية والتغير المناخي، التي تتطلب استجابات عابرة للحدود الوطنية غير الملائمة لمواجهتها. ويفترض ذلك سياسات عمومية طموحة — تمويل البحث، وتنقل الباحثين، والتعاون الجامعي، والمختبرات الدولية — إلى جانب توظيف تربوي للذاكرة العلمية: فتاريخ الخوارزمي ينبغي أن يُستثمر لشرح البناء التدريجي للرياضيات، وتاريخ ابن الهيثم لتعليم المنهج التجريبي، وتاريخ ابن سينا لمقاربة تاريخ الطب، وأعمال ابن خلدون لتقديم العلوم الاجتماعية وتحليل الديناميات السياسية — بحيث يصبح الإرث العلمي تربية حقيقية على الابتكار، تربط بين الهوية والحداثة لدى الأجيال الشابة.
6. الثقافة والتراث والتعددية: الحالة المغربية
تمثل الثقافة الركيزة الثالثة الكبرى لعمل الإيسيسكو. فالتراث في العالم الإسلامي — من آثار ومخطوطات ومدن تاريخية وتقاليد حرفية ولغات وممارسات اجتماعية — واسع للغاية، لكن لا ينبغي تصوره واقعًا جامدًا: فصونه يعني أيضًا إتاحة الفرصة لجيل جديد لإعادة تأويله، تماشيًا مع دعوة اليونسكو (UNESCO, 2024) إلى إدماج أفضل للثقافات المحلية والأصلية في التربية الفنية والثقافية، بما يعزز الإبداع والفكر النقدي واحترام التنوع. ويجد هذا التصور التعددي للتراث الإسلامي تجسيدًا مميزًا في الحالة المغربية، التي ينبثق تاريخها من التقاء مكونات أمازيغية وعربية وأفريقية وأندلسية ويهودية ومتوسطية. ويشهد التراث اليهودي المغربي — من كنس ومَلّاحات ومقابر ومخطوطات وتقاليد طهي وموسيقى وذاكرة أُسرية — على حضور قديم ومندمج بعمق في تاريخ البلاد، تعود جذوره إلى العصور القديمة، قبل الفتح العربي وأسلمة المغرب الكبير بزمن طويل (Chtatou, 2023). وقد اتخذ هذا التعايش تاريخيًا شكل «convivencia» حقيقية وإن كانت غير مكتملة، قائمة على تقارب بنيوي وتقارب ثقافي — وحدانية مشتركة، وقواعد طهارة متوازية — وحماية ملكية، دون أن تشكل نموذجًا للمساواة الدينية الكاملة (Chtatou, 2022b). وتجلى هذا التعايش خصوصًا في تقاسم أماكن الحج، حيث كان اليهود والمسلمون يقصدون الأضرحة نفسها ويستشفعون بالأولياء أنفسهم، وهي ظاهرة موثقة منذ العصور الوسطى وحتى القرن العشرين، وتناقض الفكرة الشائعة عن نظم تعبدية منغلقة كليًا على بعضها (Chtatou, 2026a). ولا يُنقص الاعتراف بهذا المكون شيئًا من الهوية الإسلامية للمغرب؛ بل يتيح على العكس فهم أن الهويات التاريخية مركبة وعلائقية — درس تحمل الرباط، مقر الإيسيسكو، دلالة رمزية خاصة بشأنه.
7. الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية بين الأديان
تشكل الثقافة أيضًا أداة دبلوماسية. فقد بيّن جوزيف ناي (Nye, 2004) أن النفوذ الدولي لا يقوم فقط على الإكراه أو القدرات الاقتصادية، بل يقوم أيضًا على «القوة الناعمة»، أي القدرة على الجذب والإقناع من خلال القيم والثقافة والأفكار؛ ويمكن بالتالي فهم الإيسيسكو بوصفها أداة قوة ناعمة جماعية للعالم الإسلامي، أقل صدامية من الدبلوماسية التقليدية، تعبئ الجامعات والفنانين والباحثين والمؤسسات التربوية لإنتاج صورة أكثر تعقيدًا عن العالم الإسلامي من تلك التي تروّجها التمثلات الإعلامية المهيمن عليها بالنزاعات الجيوسياسية. ويشكل الحوار بين الأديان — الذي يتجاوز التعايش والتسامح المجرد ليشمل معرفة الآخر — امتدادًا مؤسسيًا لهذه الدبلوماسية: ففي نونبر 2025، شاركت الإيسيسكو في الرباط في منتدى مخصص للحوار بين الأديان وصلته بالتعليم المدرسي (ICESCO, 2025a)؛ وفي دجنبر 2024، وقّعت اتفاقية تعاون مع مجلس حكماء المسلمين في أوروبا يهدف إلى تعزيز التعايش والسلام والتبادلات التربوية (ICESCO, 2024a)؛ وشاركت في الشهر نفسه في المنتدى العالمي لتحالف الحضارات بفاس، المخصص لإعادة بناء الثقة في عالم تعددي (ICESCO, 2024b). وتشهد هذه المبادرات، إلى جانب البروتوكول المبرم مع الأكاديمية الإسلامية العالمية للفقه (ICESCO, 2026c)، على تطور دال: لم يعد الحوار بين الأديان مجرد إعلان مبدئي، بل أصبح تدريجيًا مجالًا للتعاون المؤسسي القادر على تفكيك التعميمات العدائية التي تزدهر عليها خطابات الكراهية. ويوفر مفهوم «convivencia»، المرتبط غالبًا بتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية في العصور الوسطى، إطارًا تحليليًا مفيدًا في هذا الصدد، شريطة التعامل معه بحذر: فقيمته تكمن أقل ما تكمن في فكرة عصر ذهبي للمساواة الدينية، وأكثر ما تكمن في إمكانية تصور المجتمعات كفضاءات للتلاقي والاقتباس والترجمة بدلًا من المواجهة الصرفة — وهو منطق يجسده مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية، من التعايش الألفي إلى مأسسة شراكة استراتيجية بعد اتفاقيات إبراهيم في دجنبر 2020 (Chtatou, 2022a, 2026b)، بل إن بعض الأعمال تتساءل عن قدرة هذا النموذج المغربي للتعايش على أن يُلهم، بعد استعادة السلام، إعادة بناء التعايش الفلسطيني الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية (Chtatou, 2026c).
8. الشباب والرقمنة واللغات
لا يمكن لأي استراتيجية حضارية أن تنجح دون الشباب، أول جيل يعيش بكامله التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والانتقال البيئي والعولمة الرقمية، لكنه أيضًا أول من يتعرض للصراعات السردية عبر شبكات التواصل الاجتماعي: فلا يكفي إذن نقل تاريخ مجيد للحضارة الإسلامية إليه، بل ينبغي منحه وسائل ليصبح هو نفسه منتجًا للمعارف، عبر برامج التنقل، والحاضنات الثقافية، والمنصات الرقمية، وبرامج الحوار بين الأديان. وتتيح الثورة الرقمية في هذا الصدد إمكانات هائلة — رقمنة المخطوطات والأرشيف، والتعرف الآلي، والترجمة المساعدة، ورسم خرائط التراث — شريطة أن تُؤطَّر بأخلاقيات حقيقية، إذ لا يمكن للرقمنة أن تحل محل الدراسة النقدية للمصادر ولا أن تُحيّد التحيزات الخوارزمية؛ ويمكن للإيسيسكو بذلك أن تضطلع بدور محرك في تطوير ذكاء اصطناعي حضاري مسؤول. وتشكل المسألة اللغوية جانبًا أساسيًا آخر: فإذا كانت العربية تظل لغة مركزية للحضارة الإسلامية بحكم دورها في نقل القرآن الكريم والإنتاج العلمي والأدبي الكلاسيكي، فإن هذه الحضارة تعبّرت أيضًا بالفارسية والتركية والأردية والأمازيغية والملايوية والسواحلية، وهو تنوع تستطيع الإيسيسكو — التي تعمل رسميًا بالعربية والفرنسية والإنجليزية (ICESCO, 2026a) — أن تثمّنه من خلال سياسة استراتيجية للترجمة، في الاتجاهين، بين لغات العالم الإسلامي واللغات الدولية. ويترافق هذا الانفتاح اللغوي مع انفتاح مؤسسي أوسع: فمنذ 2022، أعلنت المنظمة رغبتها في تعزيز التعاون مع دول غير أعضاء في مجالات التربية والعلوم والابتكار والحوار الحضاري (ICESCO, 2022)، وهو توجه تأكد سنة 2026 عبر المباحثات مع الصين حول الحوار الحضاري والتبادلات الثقافية مع العالم العربي والإسلامي (ICESCO, 2026d) ومع السويد حول السلام والتعايش والحوار بين الأديان والثقافات (ICESCO, 2026e) — وهي مؤشرات على تصور منفتح بشكل حاسم للعالم الإسلامي، تعززه من جهة أخرى العلوم الإنسانية والاجتماعية، الضرورية لفهم التحولات المعاصرة للمجتمعات المسلمة: التحضر، والتغير الجيلي، وتحول العلاقات بين الدين والسياسة، والهجرات.
9. حضارة منفتحة في مواجهة تحدياتها المؤسسية
السؤال الكبير الذي يخترق هذا التفكير هو في نهاية المطاف سؤال الانفتاح. فثمة تصوران متناقضان للحضارة الإسلامية: الأول يعتبرها هوية دفاعية، مهددة بالعولمة ومضطرة لحماية حدودها الثقافية؛ والثاني يتصورها حضارة تاريخية منفتحة، تطورت دومًا عبر التبادل والترجمة والتفاعل — وهو تصور أكثر انسجامًا مع التاريخ، كما يبيّن هودجسون (Hodgson, 1974)، ويؤكده الحضور البنيوي للتسامح والتعددية في التقليد الإسلامي ذاته، إذ تشكّل الإسلام تاريخيًا كدين انفتاح وتعايش أكثر منه دين رفض منهجي للآخر (Chtatou, 2020). وينبغي أن يكون هدف الإيسيسكو إذن تعزيز هذا التصور الثاني، دون سذاجة إزاء التحديات المؤسسية التي ينبغي تجاوزها: تفاوت الأنظمة التربوية والسياسية والثقافية بين دولها الأعضاء الـ53، وتمويل البحث، وتشتت السياسات العمومية، وتنقل الباحثين دوليًا، وخطر التسييس المفرط للتراث، وضرورة الحفاظ على مصداقية علمية قائمة على تقارير ودراسات ومؤشرات تستجيب للمعايير الدولية للبحث.
10. نحو دبلوماسية حضارية للمعرفة
يمكن للإيسيسكو مع ذلك أن تسهم في بنية دولية جديدة تقوم على ما يمكن تسميته الدبلوماسية الحضارية للمعرفة، وتتمحور حول خمس ركائز متكاملة: دبلوماسية تربوية قائمة على شبكات من المدارس والجامعات والمدرسين والطلبة؛ ودبلوماسية علمية مستندة إلى شبكات من الباحثين والمختبرات؛ ودبلوماسية ثقافية تعرّف بالتراث والإبداعات المعاصرة؛ ودبلوماسية بين الأديان تُؤسسن الحوار بين المسلمين واليهود والمسيحيين وسائر التقاليد؛ ودبلوماسية للشباب تمنح الأجيال الجديدة وسائل لتصبح فاعلة في الحوار الحضاري. ومن شأن استراتيجية من هذا القبيل أن تحوّل دور الإيسيسكو، من منظمة تعاون متخصصة إلى منصة عالمية حقيقية للحوار والمعرفة.
خاتمة: من الإرث إلى المستقبل
تمتلك الإيسيسكو اليوم فرصة تاريخية. فالعالم يمر بمرحلة من التشظي الجيوسياسي وأزمة الثقة وخطابات الكراهية والتوترات الهوياتية والتحولات التكنولوجية المتسارعة، وفي هذا السياق لم تعد التربية والعلم والثقافة مجالات هامشية في السياسة الدولية، بل أصبحت أدوات أساسية للسلام والتنمية والقوة. فرسالة الإيسيسكو التربوية يمكن أن تسهم في إعادة بناء ثقافة المعرفة؛ ورسالتها العلمية، في مساعدة المجتمعات المسلمة على استعادة موقعها منتجةً للمعارف والابتكارات؛ ورسالتها الثقافية، في صون تراث استثنائي مع إدراجه في الحداثة؛ وعملها في مجال الحوار بين الأديان، في تحويل التعايش إلى تفاهم حقيقي. ويشكل تمركزها في الرباط، أخيرًا، رصيدًا رمزيًا مهمًا، إذ يمكن للعاصمة المغربية أن تصبح أكثر فأكثر مختبرًا دوليًا للدبلوماسية الثقافية وحوار الحضارات.
غير أن هذا الطموح يقتضي تجاوز تصور تراثي محض للحضارة الإسلامية: فالتحدي الحقيقي ليس في التطلع بحنين إلى بغداد أو قرطبة أو فاس أو دمشق أو القاهرة أو سمرقند، بل في خلق الشروط التي تتيح للأجيال المعاصرة أن تنتج مراكزها الخاصة للمعرفة والابتكار والثقافة والحوار. وينبغي إذن فهم الحضارة الإسلامية بوصفها حضارة في طور التكوّن الدائم: فهي ليست تراثًا فقط، بل مسؤولية؛ وليست ذاكرة فقط، بل قدرة على الإبداع؛ وليست هوية فقط، بل إسهامًا محتملًا في الإنسانية. ومن هذا المنظور، يمكن للإيسيسكو أن تصبح إحدى الأدوات المؤسسية الرئيسية لهذه النهضة، التي يمكن تلخيص أفقها بصيغة: جعل التراث معرفة، والمعرفة ابتكارًا، والابتكار تنمية، والثقافة تقاربًا، والحوار سلامًا دائمًا. وفي هذا الترابط بالذات بين الذاكرة والحداثة، والهوية والكونية، والإسلام والتعددية، والتقليد والابتكار، تكمن أعمق الإمكانات الحضارية للإيسيسكو.
المراجع
Al-Attas, S. M. N. (1978). The Islamic concept of education. International Institute of Islamic Thought and Civilization.
Al-Faruqi, I. R. (1982). Al Tawhid: Its implications for thought and life. International Institute of Islamic Thought.
Al-Jabri, M. A. (1999). Arab-Islamic philosophy: A contemporary critique. University of Texas Press.
Arkoun, M. (1994). Rethinking Islam: Common questions, uncommon answers. Westview Press.
Chtatou, M. (2020, 28 octobre). Islam is a religion of peace and tolerance – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/28102020-islam-is-a-religion-of-peace-and-tolerance-analysis/
Chtatou, M. (2021, 4 mars). Delving into functional adult literacy (FAL) – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/04032021-delving-into-functional-adult-literacy-fal-analysis/
Chtatou, M. (2022a, 26 janvier). Abraham Accords: Romancing a new Middle East – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/26012022-abraham-accords-romancing-a-new-middle-east-analysis/
Chtatou, M. (2022b, 29 décembre). Jewish-Muslim conviviality in Morocco – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/29122022-jewish-muslim-conviviality-in-morocco-analysis/
Chtatou, M. (2023, 28 mars). Salient aspects of Moroccan Judaism – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/28032023-salient-aspects-of-moroccan-judaism-analysis/
Chtatou, M. (2026a, 2 mars). Sacred thresholds, shared saints: Religious pilgrimage across communities, biblical personalities and intermingling of cults in Morocco – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/02032026-sacred-thresholds-shared-saints-religious-pilgrimage-across-communities-biblical-personalities-and-intermingling-of-cults-in-morocco-analysis/
Chtatou, M. (2026b, 22 juin). From coexistence to strategic partnership: Morocco–Israel relations in historical and contemporary perspective – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/22062026-from-coexistence-to-strategic-partnership-morocco-israel-relations-in-historical-and-contemporary-perspective-analysis/
Chtatou, M. (2026c, 11 juillet). Can Moroccan convivencia be applied to Gaza and the West Bank to bring peace, security, and development to Palestinians and Israelis? – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/11072026-can-moroccan-convivencia-be-applied-to-gaza-and-the-west-bank-to-bring-peace-security-and-development-to-palestinians-and-israelis-analysis/
Chtatou, M. (2026d, 2 août). Beyond extremism: Reclaiming the minds of Muslim youth through education, critical thinking, and human security (The deradicalization of youth in the Muslim world) – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/02082026-beyond-extremism-reclaiming-the-minds-of-muslim-youth-through-education-critical-thinking-and-human-security-the-deradicalization-of-youth-in-the-muslim-world-analysis/
Chtatou, M. (2026e, 8 août). From division to dialogue: Toward an Abrahamic curriculum for peace, pluralism, and civilizational literacy in the MENA region – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/08082026-from-division-to-dialogue-toward-an-abrahamic-curriculum-for-peace-pluralism-and-civilizational-literacy-in-the-mena-region-analysis/
Hodgson, M. G. S. (1974). The venture of Islam: Conscience and history in a world civilization (Vols. 1–3). University of Chicago Press.
International Commission on Education for the Twenty-first Century. (1996). Learning: The treasure within: Report to UNESCO of the International Commission on Education for the Twenty-first Century. UNESCO.
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2022, 16 février). ICESCO and Australia explore prospects for cooperation in education, science and culture. https://icesco.org/en/2022/02/16/icesco-and-australia-explore-prospects-for-cooperation-in-education-science-and-culture/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2024a, 19 décembre). Signature d’un accord de coopération entre l’ICESCO et le Conseil des Sages musulmans d’Europe (EULEMA). https://icesco.org/fr/2024/12/19/signature-dun-accord-de-cooperation-entre-licesco-et-le-conseil-des-sages-musulmans-deurope/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2024b, 7 décembre). ICESCO takes part in the World Forum on the Alliance of Civilizations in Fez. https://icesco.org/en/2024/12/07/icesco-takes-part-in-the-world-forum-on-the-alliance-of-civilizations-in-fez/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2025a, 14 novembre). L’ICESCO présente sa vision pour renforcer la coopération culturelle et religieuse lors du forum de l’Église catholique à Rabat. https://icesco.org/fr/2025/11/14/licesco-presente-sa-vision-pour-renforcer-la-cooperation-culturelle-et-religieuse-lors-du-forum-de-leglise-catholique-a-rabat/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026a). In brief. https://icesco.org/en/who-we-are/about/in-brief/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026b). Frequently asked questions. https://icesco.org/en/frequently-asked-questions/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026c, 30 avril). L’ICESCO et l’Académie Islamique Internationale du Fiqh signent un protocole d’accord pour promouvoir les valeurs du dialogue et lutter contre les discours de haine. https://icesco.org/fr/2026/04/30/licesco-et-lacademie-islamique-internationale-du-fiqh-signent-un-protocole-daccord-pour-promouvoir-les-valeurs-du-dialogue-et-lutter-contre-les-discours-de-haine/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026d, 21 mai). L’ICESCO et la Chine examinent la coopération en matière de dialogue civilisationnel et d’échanges culturels. https://icesco.org/fr/2026/05/21/licesco-et-la-chine-examinent-la-cooperation-en-matiere-de-dialogue-civilisationnel-et-dechanges-culturels/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026e, 4 juin). L’ICESCO et la Suède examinent les perspectives de coopération pour la promotion de la culture de la paix. https://icesco.org/fr/2026/06/04/licesco-et-la-suede-examinent-les-perspectives-de-cooperation-pour-la-promotion-de-la-culture-de-la-paix/
Islamic World Educational, Scientific and Cultural Organization. (2026f). ICESCO Charter. https://icesco.org/en/who-we-are/about/in-brief/icesco-charter/
Nye, J. S., Jr. (2004). Soft power: The means to success in world politics. PublicAffairs.
UNESCO. (2023, 20 novembre). Recommendation on education for peace and human rights, international understanding, cooperation, fundamental freedoms, global citizenship and sustainable development. UNESCO. https://www.unesco.org/fr/legal-affairs/recommendation-education-peace-and-human-rights-international-understanding-cooperation-fundamental
UNESCO. (2024, 15 février). UNESCO Member States adopt global framework to strengthen culture and arts education. UNESCO. https://www.unesco.org/sdg4education2030/en/articles/unesco-member-states-adopt-global-framework-strengthen-culture-and-arts-education
UNESCO. (2026, 10 mars). Exploring the role of education in advancing dialogue. UNESCO. https://www.unesco.org/en/articles/exploring-role-education-advancing-dialogue
مراجع تكميلية مفيدة بشكل خاص
Abu-Nimer, M. (2003). Nonviolence and peace building in Islam: Theory and practice. University Press of Florida.
Esposito, J. L. (2010). The future of Islam. Oxford University Press.
Khaldun, I. (1967). The Muqaddimah: An introduction to history (F. Rosenthal, Trans.). Princeton University Press. (Original work published 1377)
Lapidus, I. M. (2014). A history of Islamic societies (3rd ed.). Cambridge University Press.
Nasr, S. H. (1968). Science and civilization in Islam. Harvard University Press.
Nussbaum, M. C. (2010). Not for profit: Why democracy needs the humanities. Princeton University Press.
Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
Sen, A. (2006). Identity and violence: The illusion of destiny. W. W. Norton.
UNESCO. (2022). MONDIACULT 2022: UNESCO world conference on cultural policies and sustainable development. UNESCO.



