sliderندوات ومحاضرات

عشاق: السيرة النبوية نموذج فريد في هندسة الانتقال من المبادئ إلى التراتيب العملية

أكد عبد الحميد عشاق، مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، خلال افتتاح ندوة السيرة النبوية: نموذج لبناء الإنسان وتنمية الأوطان، التي نظمتها المؤسسة بشراكة مع المدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم، أن قراءة السيرة النبوية تتجاوز كونها مجرد سرد تاريخي أو مادة وعظية، لتصبح تجربة تأسيسية ملهمة نجحت في نقل القيم من الإعلان الأخلاقي إلى البناء الاجتماعي والمؤسسي.

وقال عشاق: “لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بقيم عظيمة كالتوحيد والكرامة والعدل والرحمة والأمانة والتكافل والمسؤولية والسلم، وعظمة هذه التجربة لا تكمن في إعلان هذه القيم فحسب، بل في إعادة تنظيم الحياة على أساسها.”

وأضاف:  “فالعدل لم يعد شعارًا يتمدح به في الخطاب، بل أصبح قاعدة يُحتكم إليها، والرحمة لم تعد شعورًا فرديًا معزولًا، بل أصبحت معيارًا في التدبير، والتكافل لم يعد فضيلة تحث عليها النصوص، بل تحول إلى نظام اجتماعي.”

وأشار عشاق إلى أن هذه الندوة تأتي ضمن انفتاح أكاديمي وتعاون علمي بين المؤسستين، بمناسبة مرور خمسة عشر قرنًا على مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وأضاف أن هذه المناسبة خصها أمير المؤمنين الملك محمد السادس حفظه الله برسالة سامية إلى مؤسسة العلماء، تهدف إلى جعل السنة الهجرية كلها سنة للتذكير والتعريف بالسيرة النبوية الغراء وتعزيز ميراث النبوة الطاهر لدى المغاربة.

واستشهد عشاق في حديثه بالرسالة الملكية، التي حث فيها، جلالته على ” إلقاء الدروس والمحاضرات، وتنظيم الندوات العلمية في المجالس والمدارس والجامعات والفضاءات العامة.”

السيرة النبوية كنموذج لبناء المجتمع

وأكد عشاق أن هذه الندوة تسعى للإجابة عن أحد أكثر الإشكالات حضورًا في الفكر المعاصر: كيف تتحول القيم إلى نظم؟  كيف تتحول المبادئ إلى مؤسسات؟ كيف تصاغ القيم ضمن نظام اجتماعي قادر على احتضانها وحمايتها؟

وأوضح أن السيرة النبوية تقدم نموذجًا نادرًا في هندسة الانتقال من المبادئ إلى المؤسسات العملية، حيث لم تكن المدينة المنورة مجرد موطن آمن للدعوة، بل مختبرًا تاريخيًا تحولت فيه القيم إلى قواعد، والقواعد إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سلوك اجتماعي متماسك.

صحيفة المدينة وتجربة التراتيب العملية

أشار عشاق إلى صحيفة المدينة باعتبارها أول دستور مكتوب في العالم، ينظم العلاقات بين المسلمين واليهود وبقية المشركين على أساس التعاقد والالتزام المشترك، وهو تنظيم وصفه العلامة محمد حميد الله الحيدر أبادي بأنه غير مسبوق.

كما ذكر كتاب “التراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبوية” للحافظ المغربي سيدي محمد عبد الحي الكتاني، الذي أبرز كيف تحولت المبادئ الأخلاقية في المدينة المنورة إلى قواعد ومؤسسات قائمة على العدالة والرحمة والتكافل، مؤكّدًا أن هذا التحول كان أداة لبناء مجتمع متكامل قادر على ترجمة القيم إلى واقع عملي.

تحويل القيم إلى واقع عملي

شدد عبد الحميد عشاق على أن السيرة النبوية لا تكتفي بصياغة المثال الأخلاقي فحسب، بل تعمل على بناء شروط إمكانية تطبيق هذه القيم في الواقع العملي. وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغيّر المجتمع عبر التشريع والتنظيم وحدهما، بل بدأ بالتغيير من الإنسان ذاته، بما في ذلك ضميره ووعيه وإحساسه بالمسؤولية ورؤيته للعالم، فقال عشاق:

“النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير الواقع عبر التشريع وحده أو التنظيم وحده، بل غيّره أولًا عبر تغيير الإنسان نفسه، ضميره ووعيه وإحساسه بالمسؤولية ورؤيته للعالم.”

وأشار عشاق إلى أن المؤسسات في السيرة النبوية تستمد قوتها وفعاليتها من الروح الأخلاقية التي تسكنها، ومن قدرة الأفراد على احترام المبادئ والقيم في حياتهم اليومية، وهو ما يجعل هذه المؤسسات أكثر استدامة ونجاعة في المجتمع.

وختم عشاق كلمته بتساؤل جوهري يطرحه نموذج السيرة النبوية على الفكر المعاصر:

“ليس فحسب كيف نكون صالحين؟ بل أيضًا كيف نبني مجتمعًا صالحًا؟ كيف نحول القيم الصالحة التي نؤمن بها ونتكلم بها إلى نظم متجذرة في Habitus، في العوائد اليومية والمواضعات الاجتماعية المتجذرة في سلوكنا، إلى نظم تحفظ المعنى وتخدم الحياة.”

وأكد أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في فهم السيرة النبوية كنموذج لبناء مجتمع قادر على ترجمة القيم الأخلاقية إلى ممارسات عملية ومؤسساتية، ما يجعلها مصدر إلهام للتفكير في التنمية الاجتماعية والمؤسساتية اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى