تُعدّ المؤسسة الدينية في المغرب، وعلى رأسها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية، ركيزة أساسية في تنظيم الأنشطة المرتبطة بالأعياد الوطنية، مثل عيد العرش، وذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، والمسيرة الخضراء. تتميز هذه الأنشطة بتنوعها وانتشارها الواسع عبر أنحاء المملكة، حيث تستهدف فئات المجتمع كافة، بما في ذلك الأطفال، الشباب، النساء، والرجال. وتهدف إلى تعزيز القيم الوطنية والدينية، وترسيخ حب الوطن، والاعتزاز بالهوية المغربية من خلال برامج تربوية، توعوية، دينية، واجتماعية متنوعة.
تُنظَّم ندوات ومحاضرات توعوية بمناسبة كل عيد وطني، تستهدف فئات عمرية واجتماعية متنوعة، وتركز على توضيح الرمزية التاريخية والوطنية لكل مناسبة، وتعزز الوعي بأهمية هذه الأحداث في بناء الهوية الوطنية، مع إبراز القيم الدينية والأخلاقية التي تربط المواطنين بوطنهم، مما يساهم في تعزيز الانتماء والوحدة الوطنية. كما تُنظم ورشات عمل للأطفال والشباب تشمل مسابقات في حفظ وترتيل القرآن الكريم، ومسابقات في المعارف الوطنية، إضافة إلى أنشطة فنية مثل الرسم والتلوين التي تتناول رموز الوطن، كالعلم الوطني أو الشعارات الوطنية، ومسابقات في السيرة النبوية والأخلاق، بهدف غرس القيم الوطنية والدينية في نفوس النشء.
وتُركز المنتديات واللقاءات النسائية على إبراز الدور التاريخي والمعاصر للمرأة المغربية في الحركة الوطنية، ومساهمتها في نقل القيم الوطنية والدينية إلى الأجيال الصاعدة، في إطار تربوي وتوعوي يعزز مكانة المرأة كشريك أساسي في بناء المجتمع. وفي المساجد والمؤسسات القرآنية، تُنظم حلقات ذكر جماعية ودروس دينية متخصصة تُسلط الضوء على معاني الأعياد الوطنية وارتباطها بالقيم الدينية، مما يجعلها منصة لتعزيز الوعي الديني والوطني في آن واحد.
أما بالنسبة للجالية المغربية بالخارج، فتُنظم خلال فصل الصيف فعاليات توعوية ودينية في نقاط العبور ومراكز الاستقبال، تشمل محاضرات وإرشادات دينية، وتوزيع مواد تعريفية تُبرز القيم المغربية والعقيدة الإسلامية المعتدلة التي يتبناها المغرب. كما تُسهم المؤسسة الدينية في تنظيم فعاليات رمزية خلال الأعياد الوطنية، مثل الاحتفالات الرسمية، واللقاءات التحسيسية في المدارس ومراكز التكوين، بهدف تشجيع الشباب والأطفال على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وعلى الرغم من الدور الريادي الذي تقوم به المؤسسة الدينية في تخليد الأعياد الوطنية، فإن المشهد العام للاحتفالات في بعض القطاعات الأخرى لا يزال بحاجة إلى مزيد من التفعيل والإبداع. ففي كثير من الأحيان، تقتصر مظاهر الاحتفاء على الطابع الرسمي أو تكون مجرد أيام عطلة، دون مواكبتها ببرامج ثقافية أو توعوية واسعة النطاق تترك أثراً ملموساً لدى فئات المجتمع المختلفة. كما تراجع حضور بعض المظاهر التعبيرية التي كانت تميز هذه المناسبات، كالأغاني الوطنية ذات الطابع الملحمي التي طالما ارتبطت بالذاكرة الجماعية، ولم تعد تُبث بالزخم السابق، مما انعكس على الأثر الرمزي والثقافي لهذه الأعياد في وجدان الأجيال الصاعدة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة تشاركية تتكامل فيها أدوار مختلف الفاعلين، من مؤسسات ثقافية وتربوية وإعلامية، إلى جانب المجتمع المدني، من أجل بناء برامج متكاملة تحتفي بالأعياد الوطنية بروح مجددة. ويتطلب ذلك تنسيقاً فعالاً بين القطاعات، وتبادل الخبرات الناجحة، وخاصة من المؤسسة الدينية التي تُقدّم نموذجاً يُحتذى به من حيث شمولية البرامج وتنوعها، واستهدافها لمختلف الفئات العمرية والاجتماعية. إن تعزيز هذا التكامل بين المؤسسات من شأنه أن يثمر مبادرات مبتكرة تُعيد للأعياد الوطنية مكانتها في الوجدان الجماعي، وتُسهم في ترسيخ القيم الوطنية والتاريخية من خلال أنشطة ثقافية، فنية، تعليمية، وإعلامية تلامس الواقع وتستشرف المستقبل.
منير البرهومي



