slidertrendingندوات ومحاضرات

إبراهيم بورشاشن: الفلسفة الإسلامية تقدم رؤية متكاملة لبناء ذكاء اصطناعي في خدمة الإنسان

أبرز الأكاديمي المغربي ومدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، إبراهيم بورشاشن، مساء الثلاثاء 23 يونيو 2026 بأبوظبي، أهمية الدور الذي تضطلع به الفلسفة والتراث الإنساني والإسلامي في بناء ذكاء اصطناعي إنساني.
وأوضح بورشاشن، خلال جلسة نقاشية نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات – فرع أبوظبي حول “الفلسفة الأخلاقية.. كيف نعيد صياغة قيم المجتمع في عصر التكنولوجيا”، أن هذا الدور يبرز بالنظر إلى أن التحدي الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تطوير الخوارزميات وزيادة القدرة الحاسوبية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بالقيم التي ينبغي أن توجه هذا التطور.
وتساءل، في هذا الصدد، إن كان الإنسان سيفقد جوهريته ومعناه في عصر الذكاء الاصطناعي، معتبرا أنها “قضية كبرى تتعلق بشرط وجودنا البشري، فهل قدر لوجودنا البشري أن يصبح مع التقنية عرضا من الأعراض ويفقد جوهريته ومعناه؟ أم أن الإنسان قادر على رفع التحدي فيحفظ شرطه الوجودي وإن بلغت التقنية أقصى مراحل تقدمها واكتمالها؟”.
وفي معالجته لهذه الإشكالية، انطلق الأكاديمي المغربي من تحديد مفهوم التقنية عند اليونان والعرب وفي القاموس الفرنسي والإنجليزي، والتطور الدلالي لمفهوم التقنية باعتباره كان مواكبا للتطور التاريخي للتقنية، كما تطرق إلى التقنية عند الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر وتحليل الذكاء الاصطناعي في ضوء فلسفته.


وتناول المحاضر كذلك التحديات الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، والتي تشمل “تحدي التحيز الخوارزمي” حيث تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في قدرته على إعادة إنتاج التحيزات البشرية (عرقيا، اجتماعيا، ثقافيا) بصورة آلية، و”تحدي فجوة المسؤولية” في حالة خطأ الأنظمة الذكية الذي يؤدي إلى ضرر بشري فمن المسؤول؟، و”تحدي ما بعد الإنسان” الذي يتجاوز كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي إلى هل سيبقى الإنسان كما هو؟، و”تحدي الشفافية” حيث تتخذ بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قرارات معقدة دون قدرة المستخدم أو المصمم على تفسير الكيفية التي توصلت بها إلى تلك القرارات.
إثر ذلك، أشار بورشاشن إلى أن أهمية الفلسفة تبرز بوصفها المجال المعرفي الذي يبحث عن معنى الإنسان وغاية المعرفة وحدود السلطة والمسؤولية الأخلاقية، مشيرا إلى أنه بينما يجيب العلم عن سؤال: “كيف يمكننا أن نفعل؟”، تجيب الفلسفة عن سؤال: “ماذا ينبغي أن نفعل؟”.
وتابع بالقول “لذلك، فإن بناء ذكاء اصطناعي إنساني يقتضي الاستناد إلى تراث فلسفي طويل أكد أن الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي أو وحدة بيانات، بل ذات واعية تتمتع بالحرية والكرامة والقدرة على الاختيار”، ومن ثم، فإن الفلسفة تؤدي دورا أساسيا في حماية التطور التقني من النزعة الاختزالية التي تحول الإنسان إلى موضوع للحساب أو أداة للإنتاج.
وذكّر، من جهة أخرى، بأن التراث الإنساني أسهم، منذ الفلسفة اليونانية إلى الفكر الحديث والمعاصر، في ترسيخ مجموعة من المبادئ التي أصبحت اليوم أساسا لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مثل الكرامة الإنسانية، والعدالة والمسؤولية والحرية، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعي الإنساني لا يقاس فقط بكفاءته التقنية، بل أيضا بقدرته على احترام القيم التي راكمتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل.
كما أبرز بورشاشن أن الفلسفة الإسلامية تقدم مساهمة متميزة في بناء ذكاء اصطناعي إنساني، من خلال تصوره المتكامل للإنسان بوصفه كائنا عاقلا وأخلاقيا ومستخلفا في العالم، مشيرا إلى أن “الإنسان عند الفارابي وابن سينا وابن رشد لا تختزل قيمته في قدرته على الإنتاج أو الحساب، بل في سعيه إلى الحكمة والكمال الأخلاقي وتحقيق الخير العام”.

وأضاف أنه من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لخدمة الإنسان وتنمية قدراته لا أداة للهيمنة عليه أو استبداله، كما أن مركزية مفاهيم العدالة والمصلحة والمسؤولية في التراث الإسلامي توفر أساسا أخلاقيا مهما لتوجيه استخدامات الذكاء الاصطناعي نحو خدمة الإنسان والمجتمع.

وخلص الأكاديمي المغربي إلى أنه إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل أعظم قوة تقنية عرفتها البشرية، فإن الفلسفة والحكمة والتراث الإنساني والإسلامي تظل الضمانة الأساسية لكي تبقى هذه القوة في خدمة الإنسان لا في السيطرة عليه.

وعمل إبراهيم بورشاشن، وهو باحث في مجال الفلسفة الإسلامية، أستاذا للفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بأبوظبي، كما أنه عضو مؤسس للجمعية المغربية للبحث في الفلسفة الإسلامية.

وصدر له مؤلفات عدة، من ضمنها “إشكالات في الفلسفة الإسلامية وسؤالات أخرى”، و”الفقه والفلسفة في الخطاب الرشدي”، و”مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية”، و”هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل؟”، و”هل نحن في حاجة إلى ابن رشد؟”. وله دواوين شعرية، من بينها “إبحار في عيون الحوريات”.

المصدر: و م ع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى