slidertrendingمن تاريخنا

محمد بن عبد الكريم الخطابي والملكّية المغربية: بين التوظيف الأيديولوجي وحقائق التاريخ

​شغل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي حيزاً كبيراً من الذاكرة التاريخية والسياسية للمغرب الحديث. غير أن هذا الحيز لم يخلُ من محاولات القراءة الموجهة والتوظيف السياسي؛ إذ كثر الكلام في العقود الأخيرة عن “جمهورية الريف”، وعملتها، ورايتها، ودستورها، وروّج البعض لأطروحة مفادها أن الخطابي كان ينازع الأسرة العلوية في ملكها وسلطتها الشرعية على البلاد.

​في هذا السياق، أُثيرت نقاشات أكاديمية واسعة، ونُشرت كتب وأطروحات جامعية بحثت في الطابع المؤسساتي لحركة الريف، ومن أبرزها الأطروحة الشهيرة للأستاذ عبد الرحمن اليوسفي (الذي أصبح لاحقاً وزيراً أول للمملكة) حول مؤسسات هذه الجمهورية. ومع توالي السنين، تلقفت التنظيمات اليسارية والمعارِضة للنظام الملكي هذا الطرح بنوع من الشماتة والنكاية السياسية، متخذة من الخطابي أيقونة لنضالاتها ومشجباً علقت عليه الكثير من الأماني والطموحات الراديكالية، بل وعُقدت مؤتمرات دولية أسهب فيها المؤرخون في تفكيك بنية حركة المقاومة الريفية وتقييمها خارج سياقها الدفاعي المؤقت.

​في ميزان البحث المحايد والتوثيق التاريخي ​لكن الباحث المحايد والمحقق النزيه، عندما يطرح هذا الموضوع على طاولة النقد العلمي، يكتشف سريعاً تهافت هذه الادعاءات وافتقارها لركائز وثائقية أو تاريخية متينة. فالأرقام والحقائق العنيدة تدحض فكرة “النزاع حول الملكية”.

​غياب الموقف العدائي في أدبيات الخطابي

أجرى الزعيم الريفي العديد من الحوارات الصحفية مع كبريات وسائل الإعلام العالمية منذ حلوله بالقاهرة لاجئاً سياسياً عام 1945 وحتى وفاته بها عام 1963. وطيلة هذه العقود الثمانية عشر، لم يصدر عنه تصريح واحد، ولا إشارة من قريب أو بعيد، تطعن في شرعية الأسرة العلوية أو تروج لنظام جمهوري بديل في المغرب. ولو كانت لديه النية لنظام لادعى ذلك صراحة، خصوصاً وأن المجاهرة بمثل هذه المواقف كانت ستزيده حظوة لدى النظام الناصري في مصر، الذي لم تكن علاقاته آنذاك ودية مع الأنظمة الملكية في العالم العربي.

​الشرعية السلطانية واللقاء التاريخي

لو كان الخطابي يرى نفسه نداً للعرش أو خارجاً عن طاعته، لما رحب بزيارة جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، له في مقر إقامته بالقاهرة عام 1959. لقد كان ذلك اللقاء تجسيداً للاحترام المتبادل والاعتراف بالرمزية الوطنية المشتركة، كما أن سفير جلالة الملك في القاهرة كان بمثابة الزائر شبه المقيم في بيت الأمير الخطابي، مما يعكس دفء العلاقات الرسمية والعائلية بين الطرفين.

​شهادة عائلية حاسمة

 إن الشهادات الشفوية لأبناء الأمير الراحل – مريم، وعائشة، وسعيد – تدحض تماماً أطروحة التمرد؛ ففي لقاءاتهم المتعددة عبّروا بوضوح عن تشبثهم بالملكية ونفوا نفياً قاطعاً أي نزعة انفصالية أو تمردية لوالدهم ضد العرش المغربي.

​مذكرات محمد سلام أمزيان.. الدليل المفحم

​لعل الدليل الأكثر إفحاماً في هذا الباب يرتبط بمسار محمد سلام أمزيان، قائد انتفاضة الريف عام 1958-1959. فبعد فشل الحركة، غادر أمزيان المغرب واستقر بالقاهرة، حيث لازم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي لسنوات طوال، مستفيداً من توجيهاته ومقيداً لمذكراته الشخصية والسياسية تحت نظره.

​الغريب في الأمر أن هذه المذكرات – التي لا تزال مخطوطة ولم تنشر بعد، وهي في حوزة نجله الأستاذ والصحافي والروائي محمد أمزيان المقيم في هولندا – لم تتطرق أبداً لأي موقف يؤكد انسلاخ الخطابي أو رفاقه عن الثوابت الوطنية للمملكة المغربية. وحسب ما أسرّ به نجل أمزيان، فإن هذه المذكرات إذا ما رأت النور ونُشرت للعموم، فستشكل صدمة حقيقية للكثيرين وتصيب أصحاب الأطروحات الانفصالية بخيبة أمل كبرى، لأنها تكشف زيف التوظيف السياسي الذي طال حركة المقاومة بالريف.

​خلاصة القول

يبقى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ملء السمع والبصر. أيقونة خالدة لحروب التحرير والانعتاق، ورمزاً ملهماً للصمود ألهم كبار مناضلي التحرر العالمي من إرنستو تشي جيفارا إلى هوشي منه. لكن هذه الريادة والبطولة تظل مسيجة بإطار الشرعية الوطنية والوحدة الترابية للمغرب، بعيداً عن أوهام الانفصال وبمعزل عن محاولات الاختطاف الأيديولوجي التي حاولت تجريد الرجل من مغربيته الجامعة وتاريخه الملتزم بثوابت الأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى